اليمين الإسرائيلي وتحوّل الدولة: قراءة في مركزية القوة والدين في صناعة القرار

"ستكون حدودنا عند الموضع الذي يمر فيه محراثنا" يوسيف ترومبلدور.... عبارة تبنتها الصهيونية العملية

تشكل جذور اليمين الإسرائيلي أحد المفاتيح لفهم البنية السياسية والفكرية “للدولة الإسرائيلية” ومسارها الراهن، ورغم ان المشروع الصهيوني ولد بتعدد اجنحته وتياراته الا ان التيار اليميني تبلور مبكرا عبر رؤية تقوم على المزج بين القومية الحادة والاعتماد على القوة لفرض واقع جديد في فلسطين. ومع صعود أفكار فلاديمير جابوتنسكي في عشرينيات القرن العشرين، ظهرت ملامح ما يعرف لاحقا باليمين الصهيوني، الذي اعتبر أن قيام الدولة اليهودية لا يمكن أن يتحقق عبر الدبلوماسية وحدها، بل عبر بناء “جدار من القوة” يجعل الوجود اليهودي حقيقة لا يمكن تجاوزها[1]. هذا المسار تطوّر لاحقًا ليتحول إلى أحد أعمدة الحياة السياسية في إسرائيل، ويصبح بعد عام 1977 القوة المهيمنة في تشكيل توجهات الدولة، خصوصًا فيما يتعلق بالاستيطان والهوية والسياسات تجاه الفلسطينيين.

برز هذا الاتجاه في سياق تاريخي أوسع شهد صعود التيارات الصهيونية الأولى، وفي مقدمتها الصهيونية السياسية (ציונות פוליטית) والتي تزعمها تيودور هرتزل. هذا التيار انطلق من افتراض أن تحقيق المشروع الاستيطاني لا يمكن أن يتم عبر المبادرات الفردية أو الهجرات المحدودة، بل من خلال تحصيل اعتراف دولي رسمي يضفي شرعية قانونية على إقامة كيان يهودي في فلسطين. اعتمد أصحاب هذا التوجه على خطاب يقوم على مفهومي حق الشعوب في تقرير مصيرها واعتبار فلسطين المجال الجغرافي الحصري لممارسة هذا الحق من قبل اليهود. هذا التيار لم يكن مجرد دعوة دبلوماسية، بل محاولة مبكرة لإنتاج سردية قانونية وسياسية تمنح المشروع طابعًا دوليًا مشروعًا، متجاهلًا في الوقت ذاته حقيقة وجود شعب يعيش على الأرض ويمارس حقه في تقرير مصيره فعليًا.[2]

على النقيض من ذلك، برز تيار آخر داخل الحركة الصهيونية عرف بالصهيونية العملية (ציונות מעשית)، وهو التيار الذي رأى أن انتظار اعتراف دولي أو غطاء قانوني لن يضمن قيام المشروع الصهيوني، وأن السبيل الأكثر فعالية يكمن في خلق واقع ديمغرافي واستيطاني على الأرض، والاستيطان في فلسطين بأعداد كبيرة. تبنّت جمعيات “أحباء صهيون” هذا التوجّه، فدفعت نحو الهجرة المباشرة إلى فلسطين والاستيطان فيها بأعداد متزايدة، باعتبار أن تكريس الوجود اليهودي الحقيقي هو المدخل لانتزاع الشرعية لاحقًا.

تحوّل التيار اليميني من جناح داخل الحركة الصهيونية إلى عمود فقري في بنية الدولة ومحرّك لسياساتها تجاه الفلسطينيين

في إطار هذا النهج، جرى تمويل مشاريع استيطانية زراعية وسكنية في فلسطين، إلى جانب إطلاق حملات تعبئة إعلامية وتنظيمية لحث اليهود حول العالم على الهجرة. عمليًا، أعادت الصهيونية العملية تعريف المشروع الصهيوني من كونه مشروعًا ينتظر اعترافًا دوليًا، إلى مشروع يبني شرعيته عبر الفعل على الأرض، ويفرض أمرًا واقعًا يسبق التفاوض عليه بدلًا من أن يتشكّل بعده. [3]

فيما تعد الصهيونية التصحيحية (ציונות רוויזיוניסטית) امتدادًا معرفيًا وعمليًا لكل من مشروع هرتزل والصهيونية العملية؛ إذ استمدت من الصهيونية السياسية الإطار السياسي-الشرعي ومن الصهيونية العملية منطق الفعل الميداني على الأرض. في بداياتها لم تجد هذه الحركة مشكلة في التعاون مع السلطات البريطانية الانتدابية لتسهيل عمليات الهجرة والتمكين الاستيطاني، غير أنّ تصاعد الخلافات حول السياسات والتقييدات سرعان ما دفعها إلى الانقلاب على سلطات الانتداب: انتقلت من العمل القانوني والمنظم إلى دعم الهجرة الجماعية غير النظامية، وإلى تبرير واستخدام العمل العسكري العنيف ضدّ الجماعات الفلسطينية كوسيلة لتحقيق أهدافها.

أيديولوجيًا، بلورت الصهيونية التصحيحية تصورًا قوميًا متشددًا لإسرائيل الكبرى يؤكد حق اليهود في فرض السيادة على كامل فلسطين الانتدابية واراضي شرق الاردن. هذا الاستنتاج العملي والسياسي كان له أثر مباشر على تشكّل الخريطة الحزبية الإسرائيلية؛ فقد شكّل تيار جابوتنسكي (זאב ז’בוטינסקי) نواةً فكرية لحزب حيروت (חירות) لاحقًا، ومنها ترسّخت عقائدية حزب الليكود (הליכוד) وأدواته السياسية، بما في ذلك مفهوم الجدار الحديدي الذي يبرّر بناء قوة منظّمة قادرة على فرض الوقائع واحتواء المقاومة، بدلاً من انتظار الشرعية أو الاعتماد على الوسائل الدبلوماسية وحدها.[4]

لاحقًا، ولا سيما بعد عام 1967، وجدت هذه المبادئ تعبيرها المؤسسي الأوضح في مشروع الاستيطان، الذي أصبح حجر الزاوية في سياسات اليمين الإسرائيلي وصعوده إلى السلطة منذ عام 1977، وتحول إلى قوة مهيمنة في تشكيل هوية الدولة وسياساتها تجاه الفلسطينيين.

منذ وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء عام 1996، أخذ اليمين الإسرائيلي يتحوّل من قوة سياسية إلى مركز الثقل في عملية صنع القرار. بلغ هذا المسار ذروته عام 2022 مع تشكيل حكومة وُصفت بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل[5]، نتيجة دخول قوى دينية قومية متشددة وشخصيات تنتمي للتيار الاستيطاني العنيف إلى قلب السلطة التنفيذية مثل ايتمار بن غفير وسموتريتش، بما عزّز الانتقال من يمين سياسي إلى يمين أيديولوجي أكثر صراحة وحدة في رؤيته تجاه الفلسطينيين والأرض وهوية الدولة.

سعى هذا المسار إلى تركيز أدوات الحكم والسلطة بيد تيار واحد هو التيار اليميني، في محاولة لإعادة تشكيل منظومة القوة داخل الدولة بما يخدم رؤيته الأيديولوجية. ومع مرور ثلاث سنوات على تولّي هذا اليمين قيادة المشهد السياسي، تعزّزت نزعاته نحو الهيمنة وإقصاء التيارات الأخرى، إذ تُظهر بيانات مستندة إلى معهد الديمقراطية الإسرائيلي أنّ نسبة الناخبين اليهود الذين يعرّفون أنفسهم ضمن المعسكر اليميني ارتفعت من نحو 46% عام 2019 إلى ما يقارب 62% قبل انتخابات 2022،[6] ما يعكس تحولًا بنيويًا في المزاج العام وترسيخًا لتفوق اليمين في صنع القرار، وفي هذا السياق، توسعت القاعدة الاجتماعية للحركات الاستيطانية المتطرفة، فإلى جانب “فتيان التلال” و “فتيات التلال”[7] و “جماعة “جباية الثمن”[8] ظهرت مجموعات أكثر تنظيمًا واندفاعًا تُعرف باسم “وحوش التلال”، التي تتبنى خطابًا أكثر راديكالية يسعى لفرض وقائع على الأرض عبر العنف المباشر. حيث تصف التقارير بأنها خلية إجرامية مسلحة أكثر عنفًا وتنظيمًا حيث يؤمنون بأحقية شعب إسرائيل في ارض إسرائيل الكبرى ويرفضون اية تسوية سياسية أو أمنية، حتى لو جاءت من الحكومة الإسرائيلية نفسها، في مؤشر على انتقال هذه الظواهر من الهامش إلى جزء من بنية المشهد السياسي – الأمني في إسرائيل، مع قدر متزايد من التساهل الرسمي وتداخل الأدوار بين هذه المجموعات والمؤسسات القائمة.[9]

الإطار التوصيفي للأمن الديني في إسرائيل: نحو فهم نظرية جديدة لتحوّل العقيدة الأمنية

يُعتبر الأمن الديني إطارًا تحليليًا يصف تحول العقيدة الأمنية الإسرائيلية من مقاربة سياسية – عسكرية قائمة على الردع والسيطرة، إلى مقاربة يتداخل فيها البعد الديني مع الأمن القومي. في هذا السياق، يُستَخدم الدين بوصفه مرجعية في شرعنة القرارات المرتبطة بالقوة وإدارة الصراع على الأرض، بما يمنح المواجهة بعدًا لاهوتيًا يجعل حماية الهوية والمقدسات جزءًا من وظيفة الدولة الأمنية ويضفي على الصراع طابعًا قدريًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

ولتحديد طبيعة هذا الإطار المفاهيمي، يمكن تفكيك الأمن الديني من خلال عدد من الخصائص التي تكشف عن بنيته وأبعاده العملية:

  • مركزية النص المقدس في تعريف التهديد والأمن بحيث تصبح التوراة والتقاليد التفسيرية الدينية أدوات لتحديد ما يعتبر تهديدًا، وما يُعتبر “واجبًا دينيًا” في الدفاع عنه، بما يعيد صياغة الأمن من منطق سياسي إلى منطق مقدس.
  • تحويل الجغرافيا إلى “مجال مقدّس”: إذ تتحول الأرض من مورد سياسي أو استراتيجي إلى مورد لاهوتي، ما يجعل التنازل الجغرافي يُنظر إليه كتنازل عقائدي.
  • اندماج المؤسسة الأمنية مع المؤسسة الدينية حيث يتعمق التداخل بين القيادات الدينية والمنظومة العسكرية والأمنية، سواء عبر صعود الصهيونية الدينية في الجيش، أو عبر شرعنة القرارات الأمنية.
  • عسكرة المقدّس وتقديس العنف الدفاعي بحيث تُصاغ القوة بوصفها واجبًا دينيًا لحماية المقدس.

تزاوج النص التوراتي مع القوة العسكرية جعل من العنف واجبًا دينيًا لا خيارًا سياسيًا

يمكن رصد هذا التحوّل من خلال مجموعة واسعة من المؤشرات التي تكشف كيف يتسرّب المقدّس إلى بنية الأمن القومي الإسرائيلي. تبدأ هذه المؤشرات بالمستوى اللاهوتي، حيث يتجلى حضور النصوص والمفردات التوراتية في الخطاب السياسي والعسكري؛ فقد أظهرت دراسة أن بن غوريون استخدم إشارات توراتية أو حاخامية في نحو 79% من خطاباته الحربية، مقابل 58% لدى نتنياهو [10]، إلى جانب اتساع توظيف مفاهيم مثل “الحق الإلهي” و”أرض الميعاد” في الوثائق الرسمية[11]، واستدعاء مرجعيات دينية في تبرير القرارات العسكرية أو الاستيطانية، بل وحتى مشاركة الحاخامات في طقوس قومية وعسكرية.
ويتوازى ذلك مع مؤشرات سياسية وتشريعية تكشف مأسسة هذا التوجه داخل الدولة، أبرزها اتساع التشريعات ذات الخلفية الدينية المرتبطة بالأرض والهوية، مثل ما وثّقه مركز “عدالة” في ورقته التي تضمنت عدداً من مشاريع القوانين التمييزية[12]، إلى جانب نفوذ الأحزاب الدينية داخل الائتلافات الحاكمة واللجان الأمنية، وصدور تشريعات تُضفي شرعية على الاستيطان الديني أو الطقوس داخل الحيّز العام، فضلًا عن قرارات المحاكم المتعلقة بالوضع القائم في أماكن العبادة، كما حدث في الحرم الإبراهيمي حين نقلت السلطة الإدارية إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع. [13]
وتتعمّق هذه التحولات داخل بنية مؤسسات القوة نفسها، من خلال الارتفاع المستمر في نسبة المتدينين داخل الجيش ووحدات النخبة، واتساع الصلاحيات الحاخامية العسكرية [14]، ومنح امتيازات أمنية للمستوطنين أو تشكيل وحدات حراسة دينية، إضافة إلى الدعم الحكومي للمؤسسات الدينية العاملة في المستوطنات ودور الحاخامات العسكريين في عمليات صنع القرار التنفيذي.
وتظهر المخرجات الأكثر وضوحًا على الأرض من خلال المؤشرات الميدانية-السلوكية، مثل الارتفاع المتزايد في اقتحامات المواقع الدينية المتنازع عليها، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، وتنامي العنف الاستيطاني ذي الطابع العقائدي، ومشاركة رجال الدين في التعبئة الجماهيرية وحشد المستوطنين والجنود، وصولاً إلى ربط العمليات العسكرية مباشرة بروايات دينية في الخطاب الإعلامي العبري، تعكس هذه المؤشرات انتقال الأمن من حقل سياسي-استراتيجي إلى حقل لاهوتي-هوياتي، تصبح فيه القوة جزءًا من مشروع ديني تاريخي، لا مجرد أداة دولة حديثة.

نتنياهو وصياغة اليمين الإسرائيلي المعاصر

يشكل نتنياهو بوابة لفهم التحول العميق الذي شهدته البنية الفكرية لليمين الإسرائيلي، فالرجل الذي قُدم طويلا بوصفه وريثًا لمدرسة جابوتنسكي، أعاد في الواقع صياغة جوهر هذا اليمين وأدخل عليه بعدًا دينيًا – توراتيًا اكثر رسوخًا، وأصبحت القرارات السياسية والممارسات الميدانية ذات طابع ديني عقائدي ما يجعل قراءة سياسات إسرائيل اليوم رهينة فهم التداخل المعقد بين المشروع السياسي لنتنياهو وصعود الصهيونية الدينية بوصفهما مسارًا واحدًا يسعى لفرض واقع توراتي جديد في القدس والضفة، وتكريس بنية سلطة تعيد تعريف الدولة من داخلها قبل أن تعيد تشكيل المشهد حولها.

نتنياهو لم يرث اليمين، بل أعاد صياغته على أسس توراتية، جعلت من العقيدة الدينية منبعًا للقرار السياسي

هذا التحول في التفكير اليمين عند نتنياهو لم يبق مجرد خطاب سياسي، بل أنتج واقعًا ميدانيًا جديدًا، حيث انتقلت القوة اليمينة من مؤسسات الحكم الى الفعل على الأرض، وتصاعدت وتيرة الاقتحامات لا سيما بعد السابع من أكتوبر، وما رافقها من طقوس توراتية يجري العمل على شرعنتها في القدس والمسجد الأقصى خاصة، وذلك في ظل تصاعد نفوذ التيار اليميني داخل الحكومة الإسرائيلية، الذي يسعى الى تحويل هذه الممارسات من أفعال فردية الى سياسة امر واقع مدعومة رسميًا، ضمن مسار يرمي الى فرض السيادة الدينية في المكان.

لقد أصبح واضحًا أن اندماج الصهيونية الدينية داخل المؤسسات الإسرائيلية يمثل تحولا بنيويًا في طبيعة السلطة واليات صنع القرار، حيث بات اليوم الخطاب الديني موجِهًا مباشرًا للقرارات الأمنية والسياسية، ما ينعكس على تصاعد الانتهاكات داخل الضفة والقدس مع توسع نطاقها الزمني والجغرافي، حيث تتقاطع الحسابات العقائدية مع القرارات الميدانية، هذا التداخل جعل المؤسسات الأمنية كالشرطة ووزارة الامن القومي، أدوات تنفيذية لمشروع ديني – قومي يقوم على إعادة تعريف مفهوم السيادة على أساس توراتي.

ومع بروز اليمين، أخذت إسرائيل تتجه إلى شرعنة بعض الممارسات الدينية وكسر المحظورات السياسية، حيث شهد عيد العُرش هذا العام ذروةً في هذه الممارسات؛ فقد جرى إدخال أكبر عدد من القرابين النباتية إلى المسجد الأقصى، وسُجّل اقتحام ما يقارب 7220 مستوطن[15]، وهو عدد غير مسبوق في هذه المناسبة على مدار السنوات الأخيرة، في خطوة رمزية تهدف إلى ترسيخ الطقوس التوراتية في ساحاته وفرضها كجزء من “الواقع الجديد”.

وتُظهر خطابات ومواقف قيادات اليمين الإسرائيلي التي تدعو إلى اقتحام القدس والمسجد الأقصى والصلاة فيه مدى التحول في العقلية الإسرائيلية نحو تبنّي عقيدة دينية تُستخدم كأداة لتبرير الانتهاكات وفرض السيادة الدينية على المكان. فبينما يصرّ نتنياهو في تصريحاته على أن “الوضع في المسجد الأقصى لم يتغير ولن يتغير”[16]، يذهب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في الاتجاه المعاكس عندما أعلن في يوم القدس: “أنا سعيد لأن اليهود صعدوا إلى جبل الهيكل – المسجد الأقصى – ووصلوا هناك اليوم”[17]، مشجعًا اليهود على الصلاة العلنية فيه، في انتهاك صريح للوضع القائم الذي يدّعي نتنياهو الحفاظ عليه.

بهذا المعنى، يتحول المسجد الأقصى إلى ساحة اختبار لفرض السيادة الدينية اليهودية، وإلى مؤشر على التحول العميق في بنية القرار الإسرائيلي.

انعكست هذه التحولات على الأرض من خلال تصاعد الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية، واتساع نطاقها الجغرافي ليشمل مناطق الضفة الغربية والقدس، حيث تمضي سلطات الاحتلال في إصدار أوامر هدم وترحيل بأعداد متزايدة بحق السكان الفلسطينيين. يتوازى ذلك مع مشاريع الهدم والتفريغ الممنهجة في المسجد الأقصى ومحيطه، التي بلغت حدّ إثارة المخاوف من المساس باستقرار أساساته واحتمال التسبب بانهيارات مستقبلية، في ظل حفريات وتدخلات تستهدف بنية المكان ورمزيته معًا[18]. لم يعد العنف الموجّه ضد الفلسطينيين يُقدَّم كوسيلة دفاعية لحماية المستوطنين أو الرد على العمليات، بل “كواجب ديني” يعبّر عن تصور لاهوتي للدولة. وبذلك تنتقل إسرائيل من مرحلة “الاحتلال الأمني” إلى “الاحتلال العقائدي”، الذي يدمج بين المعتقد والسياسة، ويحوّل أدوات السيطرة إلى طقوس ذات شرعية دينية.

إن هذا التحول يُظهر أن الصراع في القدس لم يعد يدور فقط حول السيادة السياسية أو الأمنية، بل حول هوية المكان ومعناه الديني والسياسي. فكل اقتحام للمسجد الأقصى، وكل محاولة لتثبيت طقس توراتي في ساحاته، هو خطوة ضمن مشروع أوسع
لإعادة صياغة الرواية التاريخية والجغرافية للمدينة بما يتوافق مع العقيدة الصهيونية الدينية، هذا التحول يجعل من فهم البنية الفكرية للتيار اليميني – لا سيما تحالفاته مع المستوطنين والمؤسسات الدينية – ضرورة أساسية في تحليل المشهد القادم، إذ إن ما يُمارس اليوم في القدس يفتح الطريق لتكرار النموذج في باقي المناطق الفلسطينية، تحت غطاء ديني متزايد الشرعية داخل النظام الإسرائيلي.

يكتسب هذا التحوّل أهمية خاصة في السياق الأردني، بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، حيث يؤدّي الدفع نحو تغيير الوضع القائم إلى رفع مستوى الاحتكاك السياسي والأمني، ويضع ملف القدس في قلب التوازنات الإقليمية، بدل أن يبقى شأنًا ثنائيًا فلسطينيًا–إسرائيليًا. فكل تقدم في المشروع الديني–القومي الإسرائيلي داخل المدينة، لا سيما في المسجد الأقصى، يُنظر إليه في عمّان كتحوّل يمسّ مكانة الأردن القانونية والدينية، ويهدد استقرار الترتيبات المعمول بها منذ عقود. وفي ضوء ذلك، باتت العلاقة الأردنية–الإسرائيلية محكومة بمعادلة حساسة تجمع بين التعاون الأمني والضغوط السياسية، إذ يدرك الأردن أن أي إخلال بالتوازن في القدس قد ينعكس مباشرة على الأمن الداخلي، وعلى وضعه الإقليمي، وعلى علاقاته مع الأطراف الدولية المعنية بالنزاع.

يضاف إلى ذلك أن تصاعد نفوذ التيار الديني داخل الحكومة الإسرائيلية يرفع من منسوب القلق الأردني تجاه سيناريوهات تتعلق بمستقبل الإدارة الفلسطينية للضفة الغربية، واحتمالات فرض ترتيبات أحادية تتجاوز دور عمّان التاريخي. كما تطرح السياسات اليمينية المتشددة أسئلة حول مستقبل اتفاقية وادي عربة وفاعليتها كإطار لتنظيم العلاقة بين الدولتين، بما في ذلك الاتفاقيات المرتبطة بالمياه والطاقة والحدود، والتي تشكّل ركيزة أساسية في بنية الاستقرار الإقليمي.

من هذا المنظور، لا يتابع الأردن التحولات الإسرائيلية بوصفها تطورات خارجية معزولة، بل باعتبارها متغيرًا مباشرًا في معادلة أمنه الوطني، وركيزة في تحديد موقعه ضمن النظام الإقليمي. وهو ما يدفع السياسة الأردنية إلى المواءمة بين الحفاظ على قنوات التنسيق الأمني مع إسرائيل من جهة، وتعزيز أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي من جهة أخرى، سواء عبر المؤسسات الدولية أو عبر الأطر العربية والإسلامية المرتبطة بقضية القدس. هذا التوازن الدقيق يعكس إدراكًا رسميًا في عمّان بأن التحولات في إسرائيل ليست ظرفية، وأنها تتطلب إدارة استراتيجية طويلة المدى للحفاظ على الدور الأردني في القدس ومنع تغييرات أحادية قد تفضي إلى تداعيات إقليمية أوسع.

الصهيونية المسيحية: الامتداد الخارجي للمشروع الديني الإسرائيلي

لا يقتصر البعد الديني في المشروع الصهيوني على ما يجري داخل إسرائيل، بل يمتد إلى فضاء أوسع يتمثل في الصهيونية المسيحية، وهي حركة دينية – سياسية نشأت في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة، وتتبنّى قراءة توراتية ترى في قيام إسرائيل تحقيقًا لنبوءات دينية تتعلق بعودة المسيح، آمن أنصار الصهيونية المسيحية بأن عودة اليهود إلى فلسطين شرط ديني لحدوث المجيء الثاني للمسيح، وأن إقامة اليهود في “أرض الميعاد” تمثل أمر إلهي وواجب ديني يحقق النبوءات التوراتية المسيحانية. ومن هنا، تحوّلت فكرة “العودة” إلى مشروع لاهوتي قبل ان تتخذ طابعًا سياسيًا في الفكر الصهيوني اليهودي لاحقًا.[19]

التحولات في القدس لم تعد شأنًا فلسطينيًا–إسرائيليًا، بل أصبحت تمسّ جوهر الأمن الوطني الأردني

يتجاوز هذا البعد الديني جذوره الحديثة ليعود إلى تأويلات لاهوتية مبكرة داخل المسيحية، خصوصًا عند القديس أوغسطين، الذي وضع تصورًا يقوم على ثلاث مرتكزات أساسية:

  1. أن الأمة اليهودية فقدت دورها بعد مجيء المسيح.
  2. أن خروج اليهود من فلسطين كان عقابًا إلهيًا على صلب المسيح.
  3. أن النبوءات المتعلقة بعودتهم تحققت تاريخيًا عند عودتهم من السبي البابلي على يد الملك الفارسي قورش، أي أن تلك النبوءات انتهت ولا تنتظر تحققًا مستقبليًا جديدًا.

لكن هذا الفهم تغيّر بصورة جذرية مع نيلسون داربي في القرن التاسع عشر، الذي قدّم عقيدة جديدة ترى أن لله مملكتين: واحدة أرضية تمثّلها إسرائيل وأخرى سماوية تمثّلها الكنيسة. وفقًا لهذا التصور، لا تنتهي وعود الله تجاه اليهود، بل يصبح دعم قيام دولتهم وتعزيز سيطرتهم على “أرض الميعاد” واجبًا دينيًا على المسيحيين، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لتهيئة المسرح لعودة المسيح الثانية.[20]

تمثل هذه الحركة الإطار العقائدي الخارجي الذي يمنح الصهيونية اليهودية دعمًا لاهوتيًا وسياسيًا، حيث تتلاقى العقيدتان في
فكرة مركزية مفادها ان “استعادة الأرض المقدسة” و”بناء الهيكل” مراحل ضرورية للخلاص الإلهي.

من خلال هذا التلاقي، تحوّلت الصهيونية المسيحية إلى حليف استراتيجي للمشروع الإسرائيلي، إذ أسهمت في إعادة تعريف
الصراع على القدس باعتباره صراعًا دينيًا مقدسًا، لا نزاعًا سياسيًا على الحقوق والسيادة.

وهنا يبرز مفهوم “هارمجدون” في العبرية (הר מגידו) والذي يعني ارض مجدو بوصفه أحد الأسس العقائدية المحركة لقطاع واسع داخل الأوساط الانجيلية في الغرب ولا سيما في الولايات المتحدة والتي تشير الى معركة كونية نهائية وتعد من شروط عودة المسيح الثانية وترتبط وتحدد جغرافيًا في فلسطين التاريخية بما يجعل الوجود اليهودي والسيطرة الإسرائيلية على القدس جزءًا من مسار لاهوتي مفترض لتحقيق الخلاص.[21]

وقد تجلى هذا الدعم في الخطابات والسياسات الأميركية خلال العقود الأخيرة، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتبرير التوسع الاستيطاني ضمن سردية “تحقيق الوعد الإلهي”، الأمر الذي عزّز موقف التيار اليميني داخل إسرائيل، ومنحه شرعية دولية في سعيه لفرض السيادة الدينية على المكان.

يسمح هذا الإسناد اللاهوتي للصهيونية المسيحية بفهم جانب التحولات داخل التيار اليميني في إسرائيل، إذ لم يبقَ هذا الدعم الخارجي مجرد إطار ديني غربي، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في البيئة السياسية الإسرائيلية نفسها. فمع صعود اليمين القومي–الديني وتراجع التيارات العلمانية، أصبحت الرواية الدينية حول “أرض الميعاد” و”الهيكل” جزءًا من الخطاب السياسي الداخلي الذي يبرر التوسع الاستيطاني وتغيير الوضع القائم في القدس.

خاتمة

يُظهر تتبّع تطوّر اليمين الإسرائيلي أنّ التحوّلات التي شهدتها الدولة لم تكن ظرفية أو مرتبطة بدورة انتخابية، بل تعبّر عن مسار بنيوي طويل الأمد أعاد تشكيل طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي. انطلاقًا من الجذور التصحيحية التي أسّسها جابوتنسكي، وصولًا إلى صعود التحالف الديني–القومي في العقدين الأخيرين، تسارعت وتيرة الدمج بين العقيدة الدينية وأدوات السلطة، بحيث لم يعد الأمن والايديولوجيا الدينية مجرد مكوّنات داخل النظام، بل صارت محدّدًا رئيسًا لتوجهات الدولة تجاه الفلسطينيين وللإستراتيجية الإقليمية الإسرائيلية عمومًا.

تؤكد المعطيات السياسية أن اليمين لم يعد يمثل كتلة انتخابية مهيمنة فحسب، بل أصبح بنية حاكمة تسعى إلى ترسيخ منظومة دائمة لإدارة الصراع، تقوم على توسيع الاستيطان، وإعادة تعريف الوضع القانوني للضفة والقدس. هذا التحول يتزامن مع دعم لاهوتي – سياسي خارجي، لا سيما من التيارات الصهيونية المسيحية، ما يساهم في تعزيز شرعية هذه السياسات وتوفير غطاء سياسي لها على المستوى الدولي. تدل هذه الاتجاهات على أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار تكريس واقع يقوم على الضمّ التدريجي، وتوسيع صلاحيات الفاعلين الدينيين داخل مؤسسات الدولة، واعتبار القدس والمسجد الأقصى محورًا مركزيًا في تشكيل الهوية والسيادة.

على المستوى الاجتماعي، تبرز تحوّلات عميقة في الوعي الجمعي الإسرائيلي أسهمت في ترسيخ هذا المسار اليميني. فقد تراجعت القيم المدنية والعلمانية التي ميّزت المشروع الصهيوني في مراحله الأولى، لصالح منظومة قيم دينية – قوموية تربط بين “الخلاص التوراتي” و“السيادة الجغرافية”. ونتيجة لذلك، أصبح الوعي الوطني الإسرائيلي مشبعًا برؤية خلاصية تعتبر السيطرة على الأرض امتدادًا للمعتقد، ما خلق فجوة متزايدة بين النخب الليبرالية والمجتمع الشعبي الذي يميل أكثر نحو الهوية الدينية المحافظة. بهذا المعنى، لم يكن صعود اليمين مجرد نتاج لحسابات انتخابية، بل انعكاسًا لتحوّل ثقافي – قيمي أعاد تعريف معنى المواطنة والانتماء داخل الدولة.

أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن صعود اليمين الإسرائيلي ساهم في إعادة صياغة موازين القوى وأنماط التحالفات. فقد انحسر أفق التسوية السياسية التقليدية لصالح ترتيبات أمنية جديدة تُطبع العلاقة مع بعض الأنظمة العربية ضمن إطار براغماتي، يجعل إسرائيل طرفًا ضابطًا للتوازن مع إيران والفواعل غير الدولتية. في المقابل، أسهمت موجة الشعبوية والمحافظة في الغرب في توفير حاضنة أيديولوجية للسياسات الإسرائيلية، ما أفضى إلى تلاقي يمينين  – ديني وقومي –  يتشاركان الخطاب نفسه القائم على الدمج بين الهوية والأمن والدين.

إن خلاصة هذا المسار تشير إلى أن إسرائيل تتجه نحو تثبيت نموذج “الدولة الدينية – الأمنية”، التي ترى في القوة العسكرية والتفويض اللاهوتي أساسين للشرعية والبقاء. وفي ظل غياب ضغوط دولية فاعلة وتراجع التيار الليبرالي الداخلي، يبدو أن هذا الاتجاه سيستمر في تعميق الفجوة مع الفلسطينيين، وإعادة رسم حدود الصراع على أسس عقائدية أكثر منها سياسية. بذلك، يغدو اليمين الإسرائيلي ليس مجرد مرحلة سياسية عابرة، بل بنية أيديولوجية جديدة تُعيد تعريف الدولة والمجتمع والهوية في إسرائيل، وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر صدامية في العلاقة مع الفلسطينيين ومع الإقليم برمّته.


[1] The Iron Wall (Original in Russian, Razsviet, 4 November 1923). https://en.jabotinsky.org/media/9747/the-iron-wall.pdf

[2] فاروق محمد جودي، الصهيونية واللغة العبرية، القاهرة: مكتبة البحر الأحمر، 2024، ص 18.

[3] المصدر نفسه، ص21.

[4] المصدر نفسه، ص 33

[5] بي بي سي عربي، إسرائيل: الاتفاق على حكومة هي “الأكثر يمينيةً” برئاسة بنيامين نتنياهو، 22 ديسمبر /كانون الثاني 2022 https://www.bbc.com/arabic/middleeast-63993806.

[6] Times of Israel, “Jewish Israeli voters have moved significantly rightward in recent years, data shows,” 29 August 2022,https://www.timesofisrael.com/israeli-jewish-voters-moved-significantly-rightward-in-recent-years-data-shows/

[7] فتيان وفتيات التلال: هي مجموعات من المستوطنين المتطرفين تتبنى نهجًا عنيفًا يستهدف تهجير الفلسطينيين وترسيخ السيطرة الاستيطانية، عبر احتلال تلال مطلة على قرى الفلسطينيين ومزارعهم، وتتوسع تدريجيًا لتصبح بؤرة استيطانية، مارست العديد من عمليات القتل وحرق المنازل والممتلكات.

[8] جماعة جباية الثمن: وهي جماعة شبابية متطرفة نفذت اعتداءات على ممتلكات الفلسطينيين والعرب داخل الخط الأخضر وتتعمد ترك شعارات وتوقيعات عنصرية في الأماكن التي تنفذ فيها عملياتها

[9] شبكة الجزيرة، وحوش التلال”.. جماعة إرهابية ترعب الفلسطينيين وتقلق إسرائيل، 10 نوفمبر 2025، https://www.aljazeera.net/politics/2025/11/10/%D9%88%D8%AD%D9%88%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D8%B9%D8%A8.

[10] Ynetnews، “Ben-Gurion used more religious references in speeches than Netanyahu, study finds”، 7 march 2025, https://www.ynetnews.com/jewish-world/article/rjtqvwzrll?utm_

[11] المصدر: Full text of Netanyahu’s speech: We won’t let the world … The Times of Israel, 26 September 2025, https://www.timesofisrael.com/full-text-of-netanyahus-speech-we-wont-let-the-world-shove-a-terror-state-down-our-throat/

[12] Adalah, New Discriminatory Laws and Bills in Israel, 14 September 2010. https://www.europarl.europa.eu/meetdocs/2009_2014/documents/dplc/dv/adallah_discriminatory_isra/adallah_discriminatory_israel.pdf

[13] Israel Hayom, “Israel assumes control over Cave of the Patriarchs”,16 July 2025 https://www.israelhayom.com/2025/07/16/israel-assumes-control-over-cave-of-the-patriarchs/.

[14] The Guardian, “National religious recruits challenge values of IDF once dominated by secular elite  18 July 2024 https://www.theguardian.com/world/article/2024/jul/18/national-religious-recruits-challenge-values-of-idf-secular-elite

[15] مصدر ميداني

[16] Reuters, “Netanyahu says no change at Al-Aqsa after Ben-Gvir’s remarks”, 24 July 2024, https://www.reuters.com/world/middle-east/netanyahu-says-no-change-jerusalem-holy-site-contradicting-minister-2024-07-24/

[17] Sam Sokol, “Breaching status quo, Ben Gvir says it’s his policy to let Jews pray on Temple Mount,” The Times of Israel, 5 June 2024, ، https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/breaching-longstanding-status-quo-ben-gvir-says-he-allows-jewish-prayer-at-temple-mount/

[18] Wafaa، “Jerusalem Governorate warns of collapse of parts of Al-Aqsa Mosque due to Israeli tunnel digging”, 22 October 2025, Reviewd 2 November 2025، https://english.wafa.ps/Pages/Details/163612

[19] Encyclopædia Britannica, “Christian Zionism”, Encyclopædia Britannica https://www.britannica.com/topic/Christian-Zionism.

[20] الجزيرة، بلا حدود | محمد السماك مع أحمد منصور: المسيحية الصهيونية YouTube video …، 25 ديسمبر 2002 https://www.youtube.com/watch?v=8WfF_ziyuz4

[21] Clark, Victoria. Allies for Armageddon: The Rise of Christian Zionism. New Haven: Yale University Press, 2007.

زر الذهاب إلى الأعلى