إسرائيل في الجنوب السوري: ماذا بعد المخاوف الأمنية؟

الملخص

بدأت إسرائيل بشن غارات جوية تستهدف فيها عدة مواقع في سوريا، بلغت حوالي 480 ضربة خلال أول 48 ساعة من سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول للعام 2024، وقد استهدفت مخازن الأسلحة الاستراتيجية، تحت مبرر الخشية من وقوعها بيد الجماعات المسلحة على حد تعبيرها. بالإضافة إلى توغلها بريًا داخل الأراضي السورية معلنة وقف العمل باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بذريعة حماية المستوطنات في الجولان، ومنع تسلل المسلحين.

– لم تستجب إسرائيل للتصريحات التي أعلنتها الإدارة السورية الجديدة عبر قائدها ووزير خارجيتها، مستغلة الانشغال في الظرف السياسي الطارئ في سوريا، ومتوسعة على شريط طويل من القرى السورية، ومنها ما هو على مقربة من الحدود الأردنية، دون أن تحدد المدة التي ستبقى فيها على هذه الأراضي، ومع غياب الأسباب التي كانت تثير المخاوف الأمنية لإسرائيل عمليًا، كالانتشار الإيراني والميليشيات التابعة لها، عبر الممر البري لدعم للنظام السوري السابق وحزب الله اللبناني فضلًا عن الفصائل المدعومة من إيران؛ فيبقى مصير الوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية مجهولًا. حيث تثير التحركات الإسرائيلية تساؤلات حول ما إن كانت أهدافها تتجاوز الدوافع الأمنية المؤقتة، تحديدًا في تواجدها على مواقع استراتيجية ومآلاته على سوريا داخليًا وخارجيًا، وتحديدًا في الملفات المشتركة مع دول الجوار كملف المياه الذي يؤثر في الأردن.

–  وصلت القوات الإسرائيلية إلى مناطق قريبة من الحدود الأردنية، بما في ذلك قرية كويا السورية، وسد الوحدة في حوض اليرموك، ويشكل الحوض مصدرًا مائيًا حيويًا للأردن وسوريا، بما فيه اتفاقية المياه المشتركة والتي لم تفعل بشكل حقيقي نتيجة لتداعيات الثورة السورية، وتعنت النظام السابق في إعطاء الأردن حقوقه المائية.

المقدمة

مع النهاية الدراماتيكية للعام 2024، وسقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون أول بعد سلسلة من العمليات العسكرية بدأت بعملية ردع العدوان، التي شنتها فصائل المعارضة المسلحة بقيادة من هيئة تحرير الشام، ومنذ الساعات الأولى لسقوط النظام، أعلنت إسرائيل بدء شنّ غارات جوية استهدفت عدة مواقع في العاصمة السورية، بعدما اجتازت خط اتفاقية فض الاشتباك للعام 1974، وبدأت توغلًا تدريجيًا نحو المنطقة منزوعة السلاح وفرضت سيطرتها على نقاط من بينها مرتفعات جبل الشيخ[1]، بذريعة استشعار الخطر على الحدود الشرقية، لوجود إدارة جديدة بقيادة الهيئة ذات التوجهات الإسلامية على تلك الحدود، حيث تُصور إسرائيل هذا التحول في سوريا على أنه تحدٍ استراتيجي في المرحلة المقبلة، بعد أن عملت لما يزيد عن عقد على مواجهة الوجود الإيراني ووكلائها. ولم تتوقف التحركات الإسرائيلية عند ذلك الحد، بل استمرت وتستمر حتى وصلت جنوبًا لقرى حوض اليرموك وعلى تماس مباشر مع مصادر المياه المشتركة بين الأردن وسوريا، الأمر الذي يطرح تساؤلات حقيقية عن أهداف الاحتلال في تلك المناطق وغاياته.

يجدر الإشارة هنا، إلى أنه منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، استمرت الضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية بشكل ملحوظ، لعدة أسباب كان من بينها التواجد الإيراني المكثف في سوريا عبر الميليشيات التابعة لها، بالإضافة إلى ازدياد نشاط حزب الله اللبناني في الأزمة وبروزهما كفاعلين أساسيين داعمين لنظام الأسد. تركز الاستهداف الإسرائيلي بشكل رئيس خلال تلك الفترة على ما يُعرف بـ “الممر الإيراني الآمن” الذي يربط إيراني بالنظام السوري وحزب الله اللبناني[2]، حيث استهدفته إسرائيل عبر قصف المواقع الإيرانية العسكرية والمواقع التابعة للنظام بشكل مكرر، وقد شهد عام 2024 تصعيدًا إسرائيليًا عسكريًا في سوريا، في ظل الحرب على غزة، كان من أبرزها الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، الأمر الذي أفضى إلى مقتل 7 مستشارين عسكريين بينهم القائد الكبير في فيلق القدس محمد رضا زاهدي[3]، ويحاول هذا التقرير تتبع وقراءة التوسعات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري، متطرقًا إلى مصادر المياه في الجنوب كعامل مهم في هذا التوغل وآثاره الأمنية، مع استعراض سياق وتداعيات هذه التحركات.

 إسرائيل في الجنوب، وقائع ودوافع

بدأت إسرائيل بشن ضرباتها العسكرية على مواقع متعددة داخل سوريا على رأسها مخازن الأسلحة الاستراتيجية التابعة لنظام الأسد، إذ شنت نحو 480 ضربة خلال 48 ساعة بعد أيام من إطاحة الأسد، مبررةً ذلك بالخشية من سقوط هذه الأسلحة بيد عناصر إرهابية[4]، ترافق مع ذلك بدؤها في التوسع جغرافيًا في سوريا وتعزيز وجودها فيها بهدف حماية المستوطنات في الجولان ومنع تسلل المجموعات المسلحة إلى أراضيها.

أرسلت الإدارة الجديدة في وقت مبكر ومنذ عملية ردع العدوان تصريحات تفيد الاطمئنان للعديد من الدول المجاورة، ومن بينها رسائل إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ أشار  قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع إلى “غياب وجود رغبة” -في الوقت الآني على الأقل- لتشكيل تهديد جسيم لإسرائيل، كما أكد عدم سماحه لأي كيان أن يستخدم سوريا كنقطة انطلاق لشن هجمات ضد إسرائيل، وأعرب فيما بعد عن استعداد سوريا  لاستقبال قوات من الأمم المتحدة في المنطقة العازلة المشتركة مع إسرائيل، وقد أشار الشرع إلى أن غياب أسباب التواجد الإسرائيلي اليوم والتي ارتبطت سابقًا بالوجود الإيراني والميليشيات التابعة لها بالإضافة لحزب الله، يعني بالضرورة غياب ذرائع تقدمها على المنطقة العازلة، وبناء على ذلك فعليها الانسحاب من تلك المناطق[5].

إلا أن إسرائيل لم تستجب لتلك الأصوات واستغلت الحالة العسكرية الناتجة عن سقوط الأسد، والانشغال المحلي والإقليمي بالظرف السياسي الطارئ في سوريا، وتمركزت قواتها داخل المنطقة العازلة وعلى شريط طويل من القرى السورية ينطلق من امتداد الجولان من جبل الشيخ شمالًا وإلى قرية المعرية في درعا باتجاه الحدود السورية الأردنية جنوبًا، دون أن تحدد المدة التي ستبقى فيها على الأراضي السورية[6]، ولحين التوصل إلى ترتيبات أخرى، إذ بين وزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” بقاء القوات الإسرائيلية في تلك المناطق سيستمر طالما أن ذلك ضروريًا؛ يذكر أن القوات الروسية كانت تضمن خطوط الهدنة وفض الاشتباك لعام 1974 منذ سنة 2018 بعد اتفاقيات التسوية مع فصائل المعارضة في الجنوب السوري.

وفي أثناء  انشغال الإدارة الجديدة السورية في معالجة القضايا المحلية وفرض الاستقرار والأمن الداخلي، أشارت إسرائيل بأن توسعها على الأراضي السورية تم بسلاسة ودون أي مقاومة، وقد تمركزت في مواقع استراتيجية على رأسها قرية كويا وسد الوحدة القريب من الحدود السورية-الأردنية محذرةً السكان بتسليم السلاح في المنطقة[7]، وعلى الرغم من ذلك فقد بدأ العديد من أهالي القرى السورية بتنظيم وقفات احتجاجية ضد القوات الإسرائيلية مطالبين الاحتلال بالرحيل، بالإضافة إلى أنه جرى إطلاق نار من الجانب الإسرائيلي على الحشود في إحدى الحوادث مدعيين أن الجنود الإسرائيليين قد “لمسوا تهديدًا” خلال المظاهرة[8]، وفي ذات الإطار فقد تناولت مصادر مقتل جنود من الإدارة السورية الجديدة بغارة إسرائيلية استهدفت قافلة أسلحة في جنوب سوريا كأول ضربة إسرائيلية تستهدف بها عناصر من الإدارة الجديدة[9]، فيما أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على أن سوريا ستدافع عن نفسها في حال تعرضت لأي تهديد، وأن على إسرائيل أن تحترم أمن وحدود وسيادة سوريا، وأشار إلى ضرورة الضغط على إسرائيل حتى تنسحب من الأراضي السورية التي توغلت داخلها[10].

يتعين التأكيد على أن أسباب التواجد الإسرائيلي في الجنوب السوري لا تزال محط تساؤل، ويليه علامات استفهام عديدة فيما إذ يتعلق بشكل خاص بأهداف استراتيجية، أم بسبب المخاوف الأمنية المؤقتة نتيجة لانهيار نظام الأسد ولصد أي تهديد قادم من منطقة الشمال الشرقي ومنع المعارضة من امتلاك الأسلحة، إذ تناول مصدر، تصريحات لاستشاري بارز في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة “تشاتام هاوس” البحثية في لندن “يوسي ميكلبيرج”، أن التواجد المؤقت هو مفتاح أساسي في هذه الحالة، فالمؤقت الذي يتحول إلى دائم يصبح احتلالًا، والاحتلال عادة ما يقابله مقاومة، مع تأكيده على ضرورة أن تؤخذ المخاوف الإسرائيلية بعين الاعتبار من حيث تأمينها لحدودها، ولكن ليس من الاحتلال الدائم أو العدوان[11]، وتجدر الإشارة هنا إلى مواصلة قوات الاحتلال الإسرائيلي وجودها العسكري في الجنوب السوري بمسعى تحويل جزء من المنطقة إلى قاعدة عسكرية دائمة من خلال البدء بالعمل على بنية تحتية وهندسة، كإنشاء مطار مروحيات صغير الحجم في ريف القنيطرة الشمالي[12].

استكمالًا لما سبق، فقد قامت إسرائيل بإنشاء مبانٍ مؤقتة ذات طبقة عازلة من البرد، وزودت بوسائل تدفئة ومولدات كهرباء، بالإضافة إلى مبنى طبي لمعالجة إصابات البرد، وعززت بالقرب من الحدود الأردنية السورية في قرية معرية في ريف درعا ثكنة الجزيرة، مع نصبها لسواتر اسمنتية عالية وتعبيد جميع الطرق المؤدية إلى الثكنة، ففي حين يعتبر التدخل الإسرائيلي في سوريا انتهاكًا للقانون الدولي، دون أن تأبه إسرائيل بأي من تلك المواثيق، إلا أن خطورة الأمر تكمن في احتمالية أن يشعل أي حادث أمني مواجهة أوسع بين الأطراف، أو أن تلك الحالة قد تتيح بيئة مواتية لنمو بعض الجماعات المسلحة  أو عودة نشاط جماعات إرهابية كداعش على اعتبار مواجهة إسرائيل.

وفي إجراء وقائي، عزز الجيش الأردني من تواجده على طول الحدود مع جنوب سوريا[13]، لتأمين الحدود أمام محاولات تسلل مقاتلين إلى داخل الأردن بعد سقوط نظام الأسد، وتحوطًا من تفاقم أو تمدد خطر التنظيمات الإرهابية أو أي تنظيمات تتبع لكيانات أخرى قرب الحدود الأردنية، ذلك الأمر الذي يعزز من إشكالية الواقع في الجنوب السوري والشمال الأردني، وتبقى التخوفات مثارة باستمرار ذلك الوضع.

الملف المائي، الفرصة والتحديات

وصلت القوات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي إلى قرى على مقربة من الحدود الأردنية على رأسها قرية كويا[14]التي أشير لها سابقًا، وتبعد عن لواء بني كنانة في الأردن نحو 1 كلم[15]، فضلًا عن وصولها إلى قرى محاذية لحوض اليرموك، وفي خريطة تفاعلية تبين وصول الاحتلال إلى أطراف من سد الوحدة[16]، في ذات الحوض، والذي يحمل أهمية كبيرة لكل من الأردن وسوريا، وتجمعهما اتفاقية مشتركة بخصوص تلك المياه.

وفي خلفية مقتضبة عن الاتفاقية، فقد وُقعت بغية استثمار مياه نهر اليرموك بين الأردن وسوريا عام 1987 وهدفت لتنظيم استغلال مياه النهر، واشتملت بنوده على إنشاء سد من الجانب الأردني على نهر اليرموك بسعة تقدر نحو 220 مليون متر مكعب، بينما تقوم سوريا بإنشاء حوالي 25 سدًا لري أراضيها، الأمر الذي نتج عنه بدء العمل على إنشاء سد الوحدة عام 2003. ومن خلال الاتفاقية فيحق للأردن الحصول على نحو 200 مليون متر مكعب من مياه اليرموك سنويًا، بينما تستفيد سوريا من المياه لتلبية احتياجاتها الزراعية. وقد تضمنت الاتفاقية إنشاء مركز لتوليد الطاقة الكهربائية، بحيث تحصل سوريا على 75% من الكهرباء المنتجة والادن على 25% منها.

زودت سوريا الأردن بمياه شرب لمساعدته على مواجهة الأزمة المائية عام 2002، وقد كان ضخ المياه من سد “الشهيد باسل الأسد” باتجاه وادي اليرموك وصولًا إلى منطقة عمان الكبرى، ذلك قبل أن يبدأ إنشاء سد الوحدة[17]، ولكنها لم تفعّل بشكلها الكامل نتيجة لعدة من التحديات، إذ اكتمل بناؤه عام 2010، أي قبيل اندلاع ثورات الربيع العربي، ومن بينها الثورة السورية، التي كان لها ما لها من تداعيات عديدة على الموارد المحلية، وتسببت في الضغط على موارد الدول المستضيفة للاجئين السوريين وتحديدًا في الأردن، وقد أفضى فشل السد في تحقيق أهدافه إلى تراشق الاتهامات بين المسؤولين الأردنيين والسوريين في فترة من الفترات[18].

ففي سوريا؛ يشكل حوض اليرموك مصدرًا مائيًا ونقطة اعتماد في الجنوب السوري، وخصوصًا في درعا والسويداء اللتين ترتكزان على مياه الحوض باعتبار وجود أكبر نهر في الجنوب السوري وهو نهر اليرموك، وتستخدم المياه للعديد من الاحتياجات منها ري الأراضي الزراعية وتغطية مساحات واسعة منها في منطقة “حوران” والتي تعد سلة غذاء مهمة للجنوب، فضلًا عن تلبية احتياجات السكان من المياه.

أما أردنيًا؛ فيحظى حوض اليرموك بأهمية مائية خاصة، وهو أحد أهم المصادر المائية المسطحة للأردن، فكان من المفترض أن يسهم في تزويد المملكة بجزء كبير من احتياجاتها في ظل ندرة الموارد المائية فيها وموقعها الجغرافي الذي يحيطها ببؤرة من الصراعات والنزاعات المختلفة وامتداد تداعياتهم عليها، لكن تعنت النظام السابق حال دون ذلك، يضاف إليه الواقع المعاش بما يشكله اليوم التواجد الإسرائيلي على الموارد المائية المشتركة بين الأردن وسوريا من تحدي إضافي كبير، في ظل البيئة الإقليمية المتغيرة.

مع ذلك فينظر للواقع الجديد من زاوية أخرى، لا سيما بعد سقوط نظام الأسد، الذي يتيح فرصة للأردن لإعادة بحث وتفعيل الاتفاقية بما يحقق ويحفظ مصالح الطرفين، فقد بين وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، أن النظام السابق قد انتهك حقوق الأردن المائية، في حين يدرك الأردن حجم التحديات والقضايا التي تواجه الإدارة السورية الحالية، وبالتالي فلن يضغط على الإدارة الجديدة لحل الملف المائي فورًا[19].

من الضروري محاولة تسليط العدسة على تلك المعادلة، التي تتعدد بها الفواعل وتتعقد ديناميتها، تحديدًا بما تحيطه الحالة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري من مصدر للقلق ولو بالحد الأدنى وعلى المستوى المتوسط والبعيد، ففي حين يشوب المشهد الأمني والسياسي الحالي العديد من القضايا الرئيسية المحلية السورية والأردنية على المستوى القريب، لا يمكن الإغفال عن أهمية ملف المياه وضرورة إبرازه في هذه الأثناء التي تستمر إسرائيل في تواجدها داخل الأراضي السورية، وتحاول تبرير توسعها تحت مفهوم الخطر المحتمل من الشمال وفقًا لرؤيتها الاستراتيجية ومحدداتها للأمن القومي الخاص بها.

وعلى الرغم من أن العديد من الدول العربية قد نددت تلك التحركات من بينها قطر والأردن، إلا أنه إسرائيل لم تأبه بذلك وتستمر بتحركاتها وتفرض نفسها كقوى مستمرة في الإقليم وإن تغيرت معادلاته، فتعبر عن نفسها كفاعل يسعى للهيمنة الإقليمية بما يتماهى مع أهدافها الإستراتيجية، في ظل المرحلة القادمة ومع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحكم، والقرارات المؤخرة التي بدأ في اتخاذها كان على رأسها وقف المساعدات الخارجية الأميركية باستثناء إسرائيل ومصر، الأمر الذي يفاقم من تعقيد المسألة في ظل التواجد الإسرائيلي مقربة من الحدود الشمالية الغربية للأردن في الجنوب السوري، ولا سيما عندما ترتبط المسألة بقضايا حيوية كالمساس بالأمن المائي لكلا من الدولتين، في ظل مواجهة الأردن أولويات طارئة وتحديدًا، بما يتعلق بالقضية الفلسطينية ما بعد الحرب على غزة. 

خاتمة

يعكس التوسع العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري، وما صاحبه من توغل باتجاه المناطق الاستراتيجية ومصادر المياه، بقراءة أولية؛ أبعادًا تتجاوز الدوافع الأمنية المؤقتة المعلنة من الجانب الإسرائيلي، ليبين احتمالية وجود أهداف واعتبارات إسرائيلية قد يكون لها تأثير طويل الأمد على المشهد الإقليمي، إذ يثير تمركز القوات الإسرائيلية في مناطق حساسة كمحيط حوض اليرموك وسد الوحدة ويطرح تساؤلات حول نواياها الحقيقية، على الرغم من تبريرها لتحركاتها العسكرية بحماية حدودها، إلا أن تتبع تاريخ السلوك الإسرائيلي في استغلال الموارد المائية المشتركة مع الأردن لصالحها في الأراضي المحتلة يشير إلى نوايا قد تتجاوز تأمين الحدود.

في سوريا، تتكثف التغيرات السياسية مع محاولة الإدارة الجديدة فرض الاستقرار الداخلي، ويظل الوجود الإسرائيلي عامل توتر قد يؤدي إلى تفجر الأوضاع في أي لحظة، خصوصًا مع تزايد الاحتجاجات الشعبية ورفض السكان لهذا التواجد، بالإضافة إلى وضع الإدارة السورية بحرج أكبر أمام القاعدة الشعبية نتيجة التوسع الإسرائيلي. أما أردنيًا، فحاجة الأردن لمياه نهر اليرموك ضرورة وأولية لمعالجة الأزمة المائية التي يواجهها، حيث يقف الأردن اليوم على منعطف حرج بين حاجته لتأمين مصادره المائية، وتجنب أي تصعيد عسكري محتمل بالقرب من حدوده.

في ظل هذا المشهد الضبابي والمعطيات المتغيرة، تبقى الأسئلة مفتوحة فيما هل سيتحول الوجود الإسرائيلي من وجود مؤقت إلى دائم؟ وهل ستتخذ الأطراف الإقليمية والدولية مواقف جادة وخطوات عملية لمواجهة هذا التوسع، أم أن الواقع الجديد سيفرض نفسه؟ فيما تبقى المراحل القادمة موضع اختبار لكل ما سبق.                                                                                                                                                


[1] “ما اتفاقية فض الاشتباك التي ألغتها إسرائيل بعد هروب بشار الأسد؟”، 10 ديسمبر 2024، الجزيرة، أنظر:

[2] “الصمت الحرج: رهانات دمشق أمام مشهد إقليمي متأزم”، 17 نوفمبر 2024، حسن جابر، فرح أبو عياده، معهد السياسة والمجتمع، أنظر:

[3] “أبرز الضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية في العقدين الأخيرين”، 15 إبريل 2024، الجزيرة، أنظر:

[4] “الجيش الإسرائيلي يكشف سبب الضربات في سوريا”، 11 ديسمبر 2024، الحرة، أنظر:

[5] “الشرع: على إسرائيل الانسحاب من المنطقة العازلة”، 16 يناير 2025، العربية، أنظر:

[6] “خريطة تكشف تفاصيل التوغل الإسرائيلي في سوريا”، 18 ديسمبر 2024، الجزيرة، أنظر:

[7] “اقتربت من حدود الأردن مع سوريا.. توغل إسرائيلي جديد بعمق 9 كلم داخل ريف درعا”، 18 ديسمبر 2024، العربية، أنظر:

[8] “إسرائيل تختل قريتين جنوب سوريا”، 21 ديسمبر 2024، الأناضول، أنظر:

[9] “Syria’s de facto leader: Israel no longer has excuse to stay in buffer zone”، 18 يناير 2025،  The Times of Israel ، أنظر:

[10] “وزير خارجية سوريا: على إسرائيل احترام أمننا وحدودنا”، 16 يناير 2025، العربية، أنظر:

[11] “Israel has a bargaining chip with Golan Heights”، 21 ديسمبر 2024، DW، أنظر:

[12] “”إسرائيل” تعزز سيطرتها في الجنوب السوري بإنشاء مطار وأبراج مراقبة”، 25 يناير 2025، Sonar Media Center، أنظر:

[13] “تعزيز القوات الأردنية على طوال الحدود مع سوريا بعد اشتعال الوضع في الشمال السوري”، 02 ديسمبر 2024، مونت كارلو الدولية، أنظر:

[14] “القوات الإسرائيلية تتوغل في درعا وتقترب من الحدود الأردنية”، 18 ديسمبر 2024، إرم نيوز، أنظر:

[15] “تطالهم القذائف.. سكان شمالي الأردن يعيشون يوميات الحرب بسوريا”، 22 أيار 2015، الخليج أونلاين، أنظر:

[16] https://syria.liveuamap.com/

[17] “سوريا تبدأ بضخ مياه الشرب إلى الأردن”، 29 أغسطس 2002، الجزيرة، أنظر:

[18] “سد الوحدة: السد الذي ليس له من اسمه نصيب”، 22 أيلول 2022، حبر، أنظر: https://bitly.cx/2R9pn

[19] “وزير الخارجية: النظام السوري السابق انتهك حقوق الأردن المائية”، 23 يناير 2025، قناة المملكة، أنظر: https://bitly.cx/sOYg

زر الذهاب إلى الأعلى