مقالات

“السلفيون بين التجربة الحزبية والعمل الدعوي”

مؤتمر الإسلاميون بعد عقد من الربيع العربي

“السلفيون بين التجربة الحزبية والعمل الدعوي”
– ورقة خلفية

شكّلت لحظة الربيع العربي صدمة كبيرة للتيار السلفي، بألوانه الأيديولوجية والحركية المختلفة، فقد نقضت الانتفاضات الشعبية غزل مقولاته السابقة، واضطرت كثير من الحركات الجهادية إلى مراجعة مواقفها في كثير من القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية، بخاصة في ملف العمل الحزبي والمشاركة السياسية، من أقصى يمين التيارات السلفية الدعوية (مثل الدعوة السلفية في الاسكندرية) إلى أقصى اليسار، مثل تنظيم القاعدة، الذي قام بعملية التفاف أو تكيّف أيديولوجي مع مرحلة الربيع العربي، بعدما وجد أنّ نظريته الايديولوجية وتوجهاته الاستراتيجية  تتهاوى مع وقع الثورات السلمية التي تطالب بالتغيير السلمي الشعبي من خلال الديمقراطية.

قد يكون تيار وحيد بين الاتجاهات السلفية العربية المعاصرة هو من أقرّ  مسبقاً  شرعية العمل السياسي وأهمية الانخراط فيه، لكنّه لم يقم بتأسيس حزب سياسي، والمقصود هنا جمعية إحياء التراث الإسلامي في الكويت، بقيادة عبد الرحمن عبد الخالق، الذي نظّر لضرورة اشتراك الإسلاميين في العمل السياسي والبرلماني، وتأثّرت بمدرسته العديد من الجماعات والتوجهات الأخرى، بخاصة في البحرين واليمن ومصر، فيما شكّلت التجربتان السلفيتان في الجزائر (جبهة الإنقاذ) والسودان (التي سبقت فيها التجربة الحزبية أغلب الأقطار من خلال حزب الوسط الإسلامي في العام 2006) حالتين ذات خصائص معينة مغايرة لتجربة أغلب الإسلاميين في المشرق العربي.

أمّا التيار التقليدي فقد كان مستنكفاً بالكلية عن العمل السياسي، والتيار الجهادي يرفض الأنظمة نفسها، والتيار الجامي يفسّق ويضلل من يقبل بالعمل الحزبي والسياسي.

انقلبت الأمور رأساً على عقب لحظة الربيع العربي، وكانت الاستدارة الكاملة من حزب النور السلفي في مصر، الذي تأسس من رحم الدعوة السلفية في الإسكندرية، وتنكّر لمقولاته السابقة برفض العمل السياسي وعدم القبول بالديمقراطية، وأصبح رقماً صعباً في مرحلة الربيع العربي ليس فقط بحصوله على المركز الثاني في البرلمان (بعد الإخوان مباشرة)، بل أيضاً في أنّه أثر بخطابه الفكري والسياسي على المناظرات السياسية والصورة الإعلامية عن التوجه الإسلامي، وساهم في إثارة مخاوف وقضايا لم تكن بهذا الحجم مع جماعة الإخوان، مثل الفن الحلال والسياحة الحلال، والموقف من المرأة والحريات العامة.. الخ.

العدوى المصرية أصابت تونس واليمن فكانت هنالك محاولات لاستنساخ التجربة الحزبية، وربما من أهم الأحداث – في تلك الفترة- المؤتمر الذي عقد في اسطنبول في شهر ديسمبر 2011 من قبل قيادات سلفية عالمية، وتمت فيه مراجعة موقف السلفيين من الديمقراطية والحزبية، وطرحت بدائل وخيارات عديدة، منها التحول نحو الحزبية، التحول إلى جماعات ضغط، البقاء على الحال السابقة- أي الإصرار على الجانب الدعوي.

تسونامي الربيع العربي حرّك الكثير من المياه الراكدة في الأوساط السلفية، وتحول الثقل السلفي من السعودية (العاصمة التقليدية خلال القرن الماضي للدعوة السلفية بنسختها الوهابية) إلى مصر، التي أصبحت التجربة السلفية فيها محط اهتمام الدارسين والمثقفين والباحثين.

الحال – هذه- استمرت قرابة سنتين فقط، إذ أدى تدخل الجيش في تموزذ 2013 إلى تغيير المسارات، بالتوازي والتوافق مع إطلاق ثورة مضادة عربية، آلت إلى ضرب العديد من التجارب الديمقراطية الناشئة، مما انعكس  بدوره على خطاب السلفيين وتوجهاتهم المستقبلية في العديد من الدول العربية.

ففي مصر انحاز حزب النور إلى الجيش المصري، فيما ذهب السلفيون الأخرون، من اتجاهات مختلفة ومتنوعة في المسار الآخر، مثل حزب الأصالة والحازميين وغيرهم، وقفوا مع معسكر الإخوان، وحتى النور نفسه شهد انشقاقاً قيادياً، وخرجت منه مجموعة حزب الوطن، بقيادة الأمين العام السابق للحزب، لكن بقي الثقل السلفي السياسي مع حزب النور، وحظي بموقف مساند من علماء سلفيين معروفين في مصر، قبل أن يتراجع الدور السياسي للحزب ويتخلى عن جزء كبير من خطابه المناكف في لحظة الربيع العربي، ويكتفي – في أغلب الأحيان – بتجنب الاصطدام بالنظام الجديد وبالتخوف من مصير شبيه بالإخوان المسلمين.

في تونس لم تستمر التجربة، وتحول الثقل السلفي إلى الاتجاه الجهادي، وفي اليمن لم يكتب لمحاول تأسيس حزب سلفي إصلاحي الاستمرار والصمود والتجذّر ، فيما واجه التيار السلفي الإصلاحي السعودي غارة قاسية أمنياً وسياسياً مع انتهاء عهد الملك عبدالله بن عبد العزيز ومجيء الملك سلمان، وتعيين نجله ولي عهد للبلاد، إذ زجّ بقيادات معروفة في الأوساط السلفية الحركية مما يسمى بالصحوة في السجن (سلمان العودة وسفر الحوالي)، وتمّ تقليم أظافر المدرسة السلفية التقليدية (هيئة كبار العلماء)، والزج بقيادات الجهاديين في السجون بخشونة وبلا أي رحمة أو تساهل معهم.

الأمر الأهم، الذي انعكس على السلفيين على مستوى العالم العربي بأسره، يتمثل بالاستدارة التاريخية التي قام بها محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، في علاقته بالسلفية، أو فك الارتباط بين الدولة والدعوة، وما نجم عنه من مواقف وسياسات جديدة أضعفت وقزّمت تأثير التيار السلفي، وبدأت بتحرير الدولة من هيمنة الدعوة السلفية عليها في المناهج والمجال العام والخاص والقضاء والثقافة والفنون، وحتى في المسألة الدينية.

لم يقف التحول عند حدود السياسات العامة، بل وصل أيضاً إلى بيت الفقه السلفي نفسه، عندما أوضح بن سلمان أنّه لا يعدّ أحاديث الأحاد نصوصاً ملزمة في مجال العقوبات، ما يمهد  لإلغاء عدد كبير من العقوبات والأحكام التي كان يستند إليها التيار السلفي في ترسيم الحالة الدينية والعامة في السعودية.

في الوقت الذي كانت تتخلى فيه السعودية عن رؤيتها الخاصة بالسلفية؛ شهدت السياسات العالمية والإقليمية تحولاً موازياً ومتزامناً بتحميل العقيدة السلفية مسؤولية التطرف والإرهاب، والترويج للتصوف بوصفه الوجه الجميل والسمح والتعددي للإسلام، ونجم عن ذلك مؤتمر الشيشان، الذي يمثل تتويجاً لجهود دينية- سياسية في مواجهة السلفية، تدفع باعتماد التصوف الأشعري عقيدة معترف بها من السياسات الرسمية العربية، فأصبحت السلفية تحت الحصار اليوم من مختلف الجهات والتوجهات..

في الجلسة الثالثة من مؤتمر الإسلاميون بعد عشرة أعوام من الربيع العربي، الذي يعقده معهد السياسة والمجتمع بالتعاون مع مؤسسة فريدريش أيبرت، نناقش الحالة السلفية اليوم ونطرح تساؤلات جديدة عن التحولات والاتجاهات الجديدة التي أصابت السلفية بعد عقد من الربيع العربي: كيف أثرت الثورة المضادة على الاتجاهات السلفية؟ هل هنالك انتعاش في الاتجاهات التقليدية التي دافعت عن العمل الدعوي في مواجهة الذين كانوا يدعون إلى العمل السياسي؟ وكيف أثرت التحولات السعودية على التيارات السلفية عموماً؟ وكيف نقرأ التحول في السياسات الدولية والإقليمية؟

تقدّم ثلاث ورقات في الجلسة الثالثة؛ الأولى من الأستاذ مبارك الجري من الكويت يناقش حالة التيار السلفي هناك وسؤال الدور السياسي في ظل المعادلة الداخلية، وتأثير التحولات السعودية على الكويت. والأستاذ حسن أبو هنية يدرس حالة هيئة تحرير الشام والتحول من القاعدة إلى السلفية الوطنية، وما سبق ذلك من تحولات شبيهة لدى اتجاهات سلفية سورية أخرى، مثل أحرار الشام، ومآلات السلفية السورية. أما في الورقة الثالثة فيحاول محمد أبو رمان تاطير أبرز التحولات السلفية في ضوء المتغيرات والتغيرات العالمية والعربية، وكيف يمكن أن نقرأ ذلك في سياق التوقعات المستقبلية.

تعقد الجلسة الساعة السادسة من يوم السبت 17 تموز 2021، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين من دول عربية متعددة.

زر الذهاب إلى الأعلى
X