عُقد الحل في الشمال السوري: مسار مفاوضات دمشق – قسد

تتجه المؤشرات في المشهد السوري نحو انفراجه جديدة، تتكامل مع التوجه الكلي في سوريا نحو المزيد من الاستقرار، فعقب الاجتماع الثلاثي الذي شمل قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ومجلس سوريا الديمقراطية “مسد”، والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا يوم الإثنين 18 فبراير/شباط؛ ونتج عنه جملة من القرارات الجوهرية والتي تضفي طابعًا من التوافق والتفاهم وتغليب لغة الحوار على الخيارات العسكرية بين “قسد” ووزارة الدفاع السورية في دمشق، وذلك بعد أسابيع من المفاوضات الحثيثة بين الطرفين، والتي تمحورت بشكل رئيسي حول صيغة التحول السياسي في البلاد، وطبيعة الاندماج العسكري لـ”قسد” في وزارة الدفاع الجديدة.
أنتج الاتفاق الثلاثي الجديد اعترافًا من “قسد” بأحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا لسوريا، بعد مضي 20 يومًا من التنصيب، حيث قدم مظلوم عبدي قائد قوات “قسد”، التهنئة لرئيس الجمهورية الجديد الانتقالي، وقام بدعوته لزيارة شمال شرق سوريا. وهو ما يُمهد للدخول في تفاهمات أعمق وأشمل حول صيغة العلاقة في المرحلة المقبلة، حيث لا تنحصر نتائج هذه التحولات في تجنب المواجهة العسكرية فحسب، بل تُعبر عن فرصة جديدة إذا ما استثمرتها الأطراف؛ وتحول إيجابي يمُس المشهد السوري بشكل عام. إلا أن غموض وضبابية مخرجات الاتفاق الثلاثي حول القضايا الرئيسية تُبقي التساؤلات مفتوحة أمام جملة من العوامل والمتغيرات المحيطة بالمفاوضات ما بين دمشق و”قسد”، والتي قد تبطء من التوصل لاتفاق تام ما بين الطرفين.
عين على قوات سوريا الديمقراطية
تشكلت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في 11 أكتوبر/تشرين أول 2015؛ بُعيد التدخل العسكري الروسي في الصراع في سوريا، وحظيت بدعم أميركي كبير لمواجهة قضايا برزت أثناء الصراع، لا سيما قتال تنظيم داعش، وتأمين حقول النفط في المنطقة، إلا أن ما وراء هذه الأهداف يشير إلى دور أميركي في تأمين توازن القوى أمام التدخل الروسي والإيراني الداعمين لنظام الأسد في ذلك الوقت، وبدرجة ما للحد من مستوى النفوذ التركي في شمال سوريا.
تُعبر “قسد” عن الجناح العسكري للكرد بشكل خاص، ولسكان شمال شرق سوريا عمومًا، وهي منطقة بأكثرية العشائر العربية، إذ تتمركز في أجزاء كبرى من ثلاث محافظات سورية هي: الرقة والحسكة ودير الزور، بواقع 25% من الأراضي السورية تقريبًا، وتحاذي كلًا من العراق وتركيا، وهذه المنطقة غنية بالموارد الطبيعية ومصادر المياه وأكبر حقول النفط في سوريا مثل: حقل السويدية والعُمر والرميلان، والتي تُنتج نحو 90% من إجمالي نفط سوريا، كما تتوفر مصادر المياه والغذاء كالأنهار الرئيسية والسدود، بالإضافة لاعتبار المنطقة من أكبر مصادر إنتاج القمح على مستوى المنطقة[1].
بالإضافة لانتشار القواعد العسكرية الأميركية الموزعة على نحو 30 موقع عسكري ما بين قاعدة ونقطة عسكرية[2]، وبواقع 2000 جندي أميركي[3]، والتي تلعب دورًا بارزًا كدعامة لـ “قسد”. كما تتشكل قوات “قسد” من أكثر من 7 فصائل رئيسية كردية وعربية تقودها وحدات حماية الشعب الكردية، إذ يبلغ عدد المقاتلين العرب نحو 60% في تقديرات لسنة 2019[4]، ومعظمهم من قوات العشائر العربية من سكان المنطقة، والذين انضم الكثير منهم لقوات “قسد” زمن النظام السوري السابق، كخيار بديل عن النظام.
لذلك، لطالما اعتُبرت “قسد” طرفًا رئيسيًا في الصراع السوري، إذ إن عوامل قوتها متعددة، منها ما هو سياسي وعسكري، ومنها المبررات الأمنية في المنطقة، بالإضافة للتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، لكنها تواجه اليوم لحظة حاسمة في تاريخها، حيث تجد نفسها أمام خيارات محدودة في ظل المتغيرات السياسية والعسكرية في سوريا. فإما أن تمضي في مسار التفاهم مع دمشق لتأمين وجودها ضمن الهيكلية الجديدة، أو تواجه سيناريوهات التصعيد والمواجهة التي لا تبدو لصالحها في ظل تراجع عوامل قوتها السابقة. وفي هذا السياق، يبدو أن المرونة التي باتت تبديها القوى السياسية والعسكرية في شمال شرق سوريا ليست سوى انعكاس لهذه التحولات، في محاولة لإعادة تموضع قد يحدد مستقبلها ضمن المشهد السوري القادم، وهو ما يكشف عنه الموقف التفاوضي الأخير.
مفاوضات دمشق – “قسد”
لم يتضح موقف “قسد” بصورة كافية أثناء عملية “ردع العدوان” التي أفضت لسقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون أول الماضي؛ ففي حين انسحبت من عدد من المواقع الرئيسية في غرب الفرات مثل منبج بعد اشتباكات طويلة مع المعارضة السورية، وهي مناطق ثانوية لنفوذها باعتبار أنها خارج المركز أي شرق الفرات، كما انسحبت بعد الهجوم على قوات نظام الأسد من مناطق مهمة للنفوذ الإيراني كالميادين والبوكمال، وذلك فور وصول قوات وزارة الدفاع من مناطق توسعت بها أثناء العملية في دير الزور في 11 ديسمبر/كانون الأول 2024[5]، وبعد ذلك بيوم واحد، رفعت “قسد” علم الثورة السورية[6]، وأقرت بتغيير النظام السوري السابق، وبالوضع القائم الجديد، إلا أن عدة قضايا رئيسية برزت إلى السطح، وجعلت من “قسد” أمام اختبار حقيقي أمام المشهد الجديد، من أبرزها:
1- العلاقة السياسية مع دمشق: تعتبر الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد) الغطاء السياسي لـ “قسد”، والذي جسد في السنوات السابقة نموذجًا للإدارة الذاتية، ومع قصور تجربة الإدارة الذاتية كسلطة تنفيذية في شمال شرق سوريا؛ إلا أنها ما تزال تمارس أدوارًا خدمية مهمة في المنطقة. وتظهر داخل هذه المكونات أجنحة وتيارات سياسية تُعبر عن توجهات غير منسجمة معًا، فمن هذه التيارات التيار الصقوري الذي يعتبر متشددًا تجاه التفاوض مع دمشق، ومحافظًا على مكتسبات المرحلة السابقة في شمال شرق سوريا، وهذا التيار مقرب من حزب العمال الكردستاني PKK، ويدفع باتجاه رفع سقوف المطالب التفاوضية للإبقاء على خصوصية وهيكلية “قسد”، وأن يتم الاندماج العسكري دون الانصهار التام في وزارة الدفاع السورية[7]. ومن بين المحسوبين على هذا التيار “جبهة كوردستان سوريا”، والتي أصدرت بيانًا تستنكر فيه التوافق الأخير أمام دمشق، واتهمت الأطراف الكردية قامت بما أسمته “التفريط”[8].
أمام ذلك، يظهر تيار معتدل يسعى للتوصل عبر المفاوضات إلى أفضل شروط ومخرجات تلبي طموح المكونات السياسية في الإقليم، وتتجلى مطالبهم في محاكاة التجربة إقليم كردستان العراق، حيث تُحفظ الهوية الكردية ثقافيًا وسياسيًا، وتدار موارد المنطقة ضمن مركزية الدور لدمشق، وهذا التيار تعبر عنه شخصيات مثل، إلهام أحمد، القيادية في الإدارة الذاتية.
ما بين التيارين، تتكاثف الضغوط البينية عبر الهياكل الثلاث في شمال شرق سوريا، إلا أن مؤشرات الواقع تدل على تغليب المرونة أمام أفضلية دمشق نظرًا للعوامل الرئيسية في مشهد المفاوضات، وهو ما يفسر الاجتماع الثلاثي الأخير، والذي أفضى لتقديم مبادرات واقعية لدمشق لزيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لشمال شرق سوريا، وهو ما يعني مزيدًا من التوافقات، إلا أنها لا تعني بالضرورة الاتفاق التام حتى اللحظة.
إذ يتركز جوهر المفاوضات سياسيًا، حول آلية ضمان الحقوق السياسية والثقافية للمكوّن الكردي، حيث تتباين وجهات النظر بين طرح الحكومة السورية الذي يستند -بحسب خطابها- إلى مبدأ المواطنة المتساوية، ومطالب “قسد” بتثبيت هذه الحقوق كتابة في الدستور. وفي هذا الإطار، قد يتم تقديم ضمانات قانونية معينة، خاصة وأن هذه القضية كانت إحدى العقبات التفاوضية الرئيسية بين القوى الكردية والمعارضة السورية خلال مختلف المحطات السياسية في سنوات الصراع، سواء في عهد “المجلس الوطني السوري” أو لاحقًا خلال تشكيل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”[9].
2- الملف العسكري والأمني مع وزارة الدفاع السورية الجديدة: تستمر المفاوضات الحساسة بين وزارة الدفاع السورية الجديدة و”قسد” حول دمج القوات في جسم وزارة الدفاع. حيث تطالب “قسد” بالاندماج ككتلة عسكرية مستقلة ضمن هيكلية وزارة الدفاع، مع الحفاظ على نوع من الحكم الذاتي في مناطقها. في المقابل، تصر الوزارة على الانصهار الكامل لـ “قسد” ضمن الجيش السوري الموحد، دون أي كيانات مستقلة، حيث صرح وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة بأن بقاء “قسد” ككتلة مستقلة داخل وزارة الدفاع هو أمر “لا يستقيم”[10].
وحيث تتمحور القضية الخلافية الرئيسية أمام وزارة الدفاع الجديدة؛ في طريقة الاندماج في المؤسسة العسكرية ومنها للأمنية، ففي حين تطالب الوزارة البدء بعملية صهر تام للمكونات العسكرية؛ بمعنى تسليم السلاح، والتجرد من الهيكل السابق والتراتبية العسكرية القائمة، وإعادة توزيع الرتب العسكرية بما يتناسب مع طبيعة هيكل الوزارة، وإمكانية نقل وتوزيع القوات العسكرية على الأراضي السورية، وهو ما يعني التخلي عن الهوية التنظيمية السابقة لـ “قسد”، وإظهار الهوية الجديدة المتصلة بالوزارة التي تُعبر عن مرحلة سورية الجديدة.
هذا التباين في المواقف يجعل المفاوضات صفرية الطابع، حيث يسعى كل طرف لتحقيق أهدافه دون تقديم تنازلات كبيرة وجذرية، وتغيب نقطة الوسط ما بين الجانبين. ففي حين تراهن “قسد” على أوراق قوة في جعبتها كتاريخ قتال التنظيمات الإرهابية كداعش، والمخيمات التي تحتجز داخلها مقاتلي التنظيم الذين يقدر عددهم بـ 10 آلاف سجين، موزعين على 28 مخيمًا تحت سيطرتها[11]. والدعم الأميركي الذي بات غير حاسم في ضوء إدارة ترامب. إلا أن وزارة الدفاع تستند إلى مقومات رئيسية لعل من أبرزها، سلطة الأمر الواقع في عموم الأراضي السورية، والشرعية الثورية في اسقاط النظام السابق، وتوافق الفصائل العسكرية التي حضرت اجتماع النصر، ويفوق عددها 100 فصيل مسلح، بالإضافة إلى التوافق الدولي الذي حظيت به في وقت قياسي خلال ما يقارب الشهرين من الآن.
يظهر من موقف وزارة الدفاع المتمسك في ضرورة صهر المكونات العسكرية في هيكل وزارة الدفاع وفق صيغة الانصهار التام وليس فقط الادماج؛ على ضرورة التأسيس لجيش سوري بهوية شاملة ذات طابع مؤسسي، وهي خطوة بالغة الأهمية في تجنب سيناريوهات بقاء المكونات العسكرية بهويات فرعية تضفي المزيد من العقبات على المشهد العسكري والأمني في سوريا.
المفاوضات من منظور دمشق
أعلنت القيادة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع خلال المرحلة الانتقالية، رفضها لوجود أي تشكيلات مسلحة خارج إطار الجيش النظامي، ما يقتضي تفكيك “قسد” كقوة عسكرية وإدماج عناصرها بشكل فردي ضمن الجيش الجديد. كما يتضمن هذا القرار خروج كافة العناصر الأجنبية التابعة لحزب العمال الكردستاني PKK من سوريا، وتسليم الحكومة الجديدة السيطرة الكاملة على مناطق دير الزور، الرقة، الحسكة، والأجزاء المتبقية من ريف حلب، بما يشمل الملفات الحساسة مثل معتقلي تنظيم داعش، وإدارة الموارد الطبيعية من نفط وغاز، بالإضافة إلى ضبط المعابر والنقاط الحدودية.
فمن المتوقع أن تُظهر الحكومة السورية مرونة فيما يخص تعزيز سلطات الإدارات المحلية، ولكن دون تجاوز الخطوط الحمراء نحو “الفيدرالية”، بحيث يتم ضمان تمثيل وإدارة المكوّن الكردي في مناطقه ذات الأغلبية السكانية الكردية. كما يتضمن هذا الاتفاق بحث مصير “الإدارة الذاتية” بوصفها كيانًا حوكميًا، والذي قد يُحسم ضمن هذا الإطار، خاصة مع إصرار الحكومة السورية على عدم الإبقاء على أي هيئات سياسية أو عسكرية أو إدارية خارج نطاق مؤسسات الدولة[12].
الواقع الجيوسياسي الجديد في المنطقة
لتأمين أمنها ومطالب جيرانها، سينتج عن التفاهمات ضرورة التطرق إلى نفوذ ووجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني PKK، المصنف على قوائم الإرهاب دوليًا، والذي تعتبره أنقرة تهديدًا كبيرًا للأمن القومي التركي، ويُفهم بذلك حجم الضغط الذي يُمارس من تركيا على دمشق نحو حل قسد ومنعها من البقاء بالهيكل التنظيمي الحالي، أو الهوية الفرعية المتصلة بالعمال الكردستاني بشكل أو بآخر. فمن بين ما سبق، تتجلى المعضلة الأبرز في بقاء هؤلاء المقاتلين كإشكالية أمنية لكل من سوريا ودول الجوار، لا سيما تركيا وإقليم كردستان العراق، إذ إن طبيعة المنطقة المتصلة بجبل قنديل، حيث يتمركز مقاتلو التنظيم، ناهيك عن الروابط الإثنية والأيدولوجية الكردية، تضفي مزيدًا من التعقيدات على المشهد الكلي لشمال شرق سوريا، وقد تدفع نحو اشتباكات موسعة مع هؤلاء المقاتلين إذا ما رفضوا مغادرة المنطقة.
وفيما يتصل بملف سجون ومخيمات داعش في شمال شرق سوريا، تدرك تركيا خطورة استمرار احتكارية الولايات المتحدة لملف مكافحة الإرهاب، خاصة بعد سنوات من تمكين “قسد” والتي لا تتفق مع تركيا، لذلك يمكن فهم ما تم تسريبه مؤخرًا من مباحثات دبلوماسية جمعت كلًا من تركيا والأردن والعراق وسوريا لبحث تشكيل تحالف رباعي لمكافحة الإرهاب[13]، وفي حين يظهر الهدف الرئيسي من هذا التحالف المزمع تشكيله لمحاربة داعش والتنظيمات الإرهابية؛ إلا أنه يعكس أيضًا سعيًا تركيًا لوقف مبررات الدعم الأميركي لـ”قسد”، باعتبارها الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني.
وفي هذا الصدد، قد يمثل التنسيق الإقليمي الجديد فرصة لدمشق لتعزيز موقفها التفاوضي أمام “قسد”، سواء من خلال توسيع الضغوط السياسية والعسكرية عليها، أو عبر توظيف هذا التحالف لإعادة ترتيب خارطة القوى في شمال شرق سوريا. إذ إن تقليص الحضور الأميركي في المنطقة، أو إعادة هيكلة الملف الأمني فيها، قد يفرض واقعًا جديدًا يُقلص من هوامش وقدرة “قسد” على المناورة السياسية أو العسكرية، مما قد يدفعها إلى تقديم تنازلات أوسع في المفاوضات الجارية مع دمشق. بذات السياق، فإن تسلم “قسد” اليوم لرسالة من عبد الله أوجلان،[14] زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في تركيا منذ 1999، والتي يعتقد أنها قد تحمل دعوات لإلقاء السلاح والتفاهم السلمي مع تركيا، وهي جميعها مؤشرات تخفض من قوة موقف “قسد”، وتعزز بالمقابل من مواقف دمشق بشكل مباشر، وتركيا بصورة غير مباشرة.
خاتمة
في ظل التعقيدات السياسية والأمنية في شمال شرق سوريا، وما يرافقها من ارتفاع فرص تعثّر للمفاوضات نتيجة تعنّت قيادة “قسد”، وضبابية الموقف الأمريكي، وتصاعد الضغط التركي، إلى جانب التباينات العميقة بين الفاعلين المحليين؛ يبدو أن اعتماد سيناريوهات حاسمة ونهائية ليس خيارًا واقعيًا لكل من دمشق و”قسد”. فالوضع الراهن يتطلب نهجًا متعدد الأدوات والوسائل، لا سيما مع توفر خيارات أوسع أمام الحكومة السورية الجديدة. فبالرغم من حرصها على تجنب الحل العسكري، إلا أنها لا تستبعده كأداة لتعزيز موقعها التفاوضي، وإعادة ترتيب الأولويات المحلية، أو تسريع العملية التفاوضية وخفض سقف مطالب “قسد” عمليًا، وهو ما قد يفرض على النخب السياسية في “قسد” ضرورة تغليب المصالح الذاتية خاصة للتيار العقلاني السوري، لا الموالي لحزب العمال، لا سيما أن المؤشرات الرئيسية -حتى الآن- لا تصب في صالح “قسد”.
من جهة أخرى، يمكن أن يشكل العزل السياسي والعسكري لـ “قسد” ورقة ضغط إضافية تدفعها إلى إعادة النظر وتقييم موقفها التفاوضي، وفي حال تعثّر الحوار، قد تجد الحكومة السورية مبررات كافية للجوء إلى استخدام القوة، سواء بشكل محدود أو موسّع، لاستعادة السيطرة الكاملة على الشمال الشرقي لسوريا. في المقابل، قد تبرز أدوار الوساطات الإقليمية والدولية كعامل موازن، يسهم في تسريع التفاهمات بين دمشق و”قسد” بشكل يحقق المصالح السورية ويضمن الاستقرار في المنطقة، إلا أن التباين الأوروبي – الأميركي في المواقف من سوريا وقضاياها؛ قد يحد الوتيرة المتسارعة للقضايا العالقة في سوريا، ومنها بطبيعة الحال مسألة “قسد”.
بذلك، تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى استثمار كافة العوامل المتاحة لصياغة واقع سياسي وأمني يخدم مصالحها، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تعقّد المشهد أكثر فأكثر، والتي لا تنحصر تداعياتها في شمال شرق سوريا فحسب، بل تتجاوز ذلك لما يشبه تأثير العدوى مع المكونات المختلفة في سوريا كالساحل والسويداء. وفي ظل تراجع أوراق قوة “قسد” تدريجيًا، فإن خياراتها ستتجه إما نحو القبول بالاندماج وفق رؤية دمشق، أو مواجهة سيناريوهات قد لا تصب في صالحها، وهو ما ستكشفه المرحلة المقبلة.
[1] محمد سناجلة، “أكبر 10 منتجين ومستوردين للقمح في العالم”، الجزيرة، 18 مارس 2024. كتاح عبر الرابط: https://bitly.cx/rLX8r
[2] أنس شواخ، وأيمن أبو نقطة، وعبادة العبد الله، وهمام عيسى. “خريطة المواقع العسكرية للقوى الخارجية في سورية منتصف 2024”. مركز جسور للدراسات. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/uN4G
[3] Al Jazeera , “US Says It Has 2,000 Troops in Syria, Not 900 as Previously Declared,” Al Jazeera, 19 December 2024, https://bitly.cx/m033
[4] BBC News. “IS Conflict: US Arming Syrian Kurds Unacceptable – Turkey.” BBC News, May 10, 2017. https://bitly.cx/7oCNu
[5] الحرة. “سوريا.. الفصائل المسلحة تسيطر على دير الزور بعد ‘انسحاب قسد’.” الحرة، 11 ديسمبر 2024. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/LbDBt
[6]الجزيرة نت، “وزير الدفاع السوري: بناء القوات المسلحة لا يستقيم بعقلية الثورة والفصائل”، الجزيرة، 22 يناير 2025. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/LhzGE
[7] مقابلة أجريت مع سامر الأحمد، الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 18-2-2025.
[8] “جبهة كوردستان سوريا تحذر من اتفاق ‘مسد’ و’قسد’ وتعتبره تفريطًا بالحقوق الكوردية”، كوردستان 24، 18 فبراير 2025. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/0Bs75
[9] أسامة شيخ علي وساشا العلو، “شمال شرق سورية وسؤال المصير.. قراءة في الموقف التفاوضي و’السيناريوهات’ المحتملة”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 14 فبراير 2025. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/09Zi
[10] “وزير الدفاع السوري: بناء القوات المسلحة لا يستقيم بعقلية الثورة والفصائل”، الجزيرة نت، 22 يناير 2025. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/Hfu6
[11] Richard Engel, Marc Smith, and Ammar Cheikh Omar, “ISIS Has an Army in Waiting — and Trump’s Next Move Could Decide Whether It Rises Again,” NBC News, February 12, 2025, https://bitly.cx/nSiDA .
[12] أسامة شيخ علي وساشا العلو، “شمال شرق سورية وسؤال المصير.. قراءة في الموقف التفاوضي و’السيناريوهات’ المحتملة”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 14 فبراير 2025. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/09Zi
[13] سعيد عبد الرازق، “تركيا اتفقت مع الأردن والعراق وسوريا على ‘تحالف رباعي’ ضد ‘داعش'”، الشرق الأوسط، 16 فبراير 2025. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/6Kem
[14] “أوجلان يبعث 3 رسائل من محبسه في تركيا.. واحدة منها إلى ‘قسد'”، عربي21، 19 فبراير 2025. متاح عبر الرابط: https://bitly.cx/jbjg