الأردن والعلاقة مع العراق: نحو إعادة التفكير؟

نُشرت هذه المادة، في العدد الثاني من المجلة الأردنية للسياسة والمجتمع JPS.

في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الأردنية – العراقية قفزة نوعيّة، بعد فترة طويلة شابها الكثير من الشكوك والحذر بين الجانبين. ولا يمكن القول إن تطور هذه العلاقة أزالت الوضع السابق، إلا أنها دفعت نحو جعلها أقل التباسًا، فقد شهدت العلاقة تحولات عديدة بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 وقدوم النظام الجديد في بغداد، لتصل اليوم إلى تواصل دبلوماسي أكثر فاعلية وحركة اقتصادية أكثر تطورًا، رغم بقاء هواجس سياسية وأمنية بين الطرفين.

لا يمكن فصل طبيعة ومحددات ومسار العلاقة بين الجانبين عن المتغيرات المستمرة في السياقين الدولي والإقليمي، وقبل ذلك التحولات المستمرة في الداخل العراقي والتي أدت لغياب رؤية استراتيجية واضحة لعلاقات العراق الخارجية وتحديدًا مع الجوار، إلا أن المتغيرات في السنوات الأخيرة، طوّرت حالة جديدة من الإدراك للطرفين حول ضرورة تطوير العلاقة بين البلدين، في المقابل، فإن الأردن رأى في العراق فرصة مهمة ومتنفس في ظل التحدي الاقتصادي نتيجة انخفاض الدعم للخزينة من دول إقليمية وشهدت العلاقات مع بعضها مرحلة يشوبها حالة من الفتور، والتي رافقها تعنت النظام السوري، الذي كان يقوده بشار الأسد، عن الانفتاح الاقتصادي على الأردن، رغم محاولات قادة الدبلوماسية الأردنية دوليًّا، لتخفيف العقوبات المتمثلة بقانون قيصر، ومنح سوريا بعض الاستثناءات، إلى جانب المسيرة التي حملتها عمّان على عاتقها لإعادة دمج دمشق في المحيط العربي ضمن خطوات تعالج مسار الأزمة السورية، إلا أن الأسد اختار حينها القفز على الجهود الأردنية.

على الرغم من أن العلاقة بين الأردن والعراق بدأت تأخذ منحى آخر في عهد رئيس الوزراء السابق، عادل عبد المهدي، والتي شهدت حقبته القصيرة زيارة الملك عبدالله الثاني إلى بغداد وعقد قمم ثلاثية بين عمان والقاهرة وبغداد، إلا أن حالة من الانتعاش كان قد مر بها الأردن مع تولي مصطفى الكاظمي رئاسة وزراء الحكومة الانتقالية، والذي طوّر من مسار العلاقة بين البلدين سياسيًّا وليس اقتصاديًّا فقط، وبدا من الواضح أن الجانب الأردني كان يأمل في أن يستمر الكاظمي بمنصبه بعد إجراء الانتخابات في أكتوبر/تشرين الأول 2021، إلا أن عمّان عادت لتصطدم بواقع جديد قديم، عنوانه “الإطار التنسيقي” الذي يضم قوى سياسية شيعية تقليدية، وقوى تضم في هياكلها فصائل مسلحة، والتي قدّمت محمد شياع السوداني ليكون رئيسًا لوزراء العراق، و الذي كان في نفس الوقت قد استهل زيارته الخارجية الأولى، وهو ما كان لافتًا، إلى الأردن، ولم تدخر الأخيرة في المقابل جهدًا في الاشتباك والسعي نحو تطوير العلاقات على الصعيدين السياسي والاقتصادي تحديدًا.

لربما أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، والذي سبقه مرحلة التحول التي تعيشها المنطقة في موازين القوى بعد واقعة “السابع من أكتوبر” وما تبعها من أحداث على رأسها تفكيك قدرات حزب الله اللبناني واغتيال أمينه العام وسقوط النظام السوري، تستلزم اليوم إعادة التفكير في العلاقة الأردنية – العراقية، وما يعزز من ضرورة إعادة التفكير أن هنالك تحديات قادمة على المنطقة وفي نفس الوقت مزيد من الفرص قد تفتح أمام البلدين وتحديدًا الأردن، الذي يمتلك علاقات خارجية أفضل من العراق على المستويين الإقليمي والدولي.  

العلاقة الأردنية مع العراق: محاولات مستمرة لكسر الحواجز

قبل أن تبدأ العلاقات الأردنية – العراقية آخذة بالتطور إلى شكلها اليوم، كانت عمّان قد أعدت نفسها لهذه المرحلة مبكرًا -قبل تشكل الإطار التنسيقي- عبر فتح قنوات الاتصال مع مختلف القوى السياسية في العراق وتحديدًا القوى السياسية الشيعية، فعلى الرغم من زيارة مسؤولين أردنيين إلى العراق وعلى رأسهم الملك، كان لافتًا حينها زيارة عبدالسلام العودات في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 والذي كان رئيسًا للبرلمان الأردني آنذاك[1]، والتقى في تلك الزيارة برفقة وفد برلماني أردني قوى شيعية تقليدية وقوى شيعية منبثقة عن فصائل مسلحة موضوعة على قوائم الإرهاب الأمريكية، لكن تلك الزيارة تبعها زيارات أردنية متكررة جددت اللقاء بتلك الشخصيات. كانت تلك الزيارة لربما مؤشرًا واضحًا على تغير الإدراك الأردني حيال المعادلة العراقية، وأن عدم التوافق لا يعني بالضرورة عدم الاشتباك أو الاحتواء، وهنالك ضرورة لتوسيع شبكة التفاهم مع قوى الإسلام السياسي الشيعي لا أن تقتصر العلاقة مع  ما يُطلق عليها “قوى الاعتدال” -التي تعد أيضًا من قوى الإطار التنسيقي- مثل حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق وعمّار الحكيم رئيس تيار الحكمة الذي تربطه بالأردن علاقات جيدة (وهنا من الضروري الإشارة الى اننا لا نتعامل مع كتلة متراصة بالمعنى الكامل داخل الاطار التنسيقي بل هنالك بعض الاختلافات في التوجهات)، وعلاقة اردنية بمقتدى الصدر الذي اختار أن يكون بمعزل عن تحالف القوى الشيعية.

ومما سبق، يقود إلى أن عمّان وقبل تشكيل الإطار التنسيقي على إثر انتخابات عام 2021 -والتي امتدت مشاورات تشكيل الحكومة لقرابة عام كامل- كانت قد عمدت إلى مد خطوط الاتصال مع القوى الشيعية المختلفة، وهو الأمر الذي سهل عملية التواصل مع حكومة محمد شياع السوداني والذي قام بدوره بزيارة إلى الأردن في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 كأولى جولاته الخارجية بصفته رئيسًا للوزراء، والتي تبعها اتصال مشترك جمع السوداني بالرئيس الأمريكي السابق جو بايدن والملك عبدالله الثاني.[2]

يمكن القول إن العلاقة بين البلدين ارتبطت بتراكمات المواقف والسياسات بعد الغزو الأمريكي على العراق، إذ أبدى الأردن تخوّفًا شديدًا إزاء النظام السياسي الجديد بعد عام 2003، وعدّه امتدادًا للمشروع الإيراني في المنطقة، وهو ما دفع إلى “أمننة” الملف العراقي بالدرجة الأولى لسنوات طويلة، إلا أن التحول الأخير ارتبط بإدراك متعلق بأن الفصائل المسلحة ومن خلال وجهها السياسي باتت تتحكم في مسارات ملفات السياسة والاقتصاد والأمن داخل العراق، وأن هنالك حتمية استراتيجية وفرصًا لا ينبغي على الأردن التفريط بها في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي يواجهها داخليّا وخارجيًّا، لذلك سعى الأردن مرارًا نحو إعادة تفعيل دور العراق الإقليمي، الذي قد يؤدي فيما بعد لدمجه بالمحيط العربي، والتعاطي معه بشكل حقيقي وإيجابي، وهذا ما برز -في وقت سابق- في مشروع المشرق الجديد الذي جمع عمّان ببغداد والقاهرة، والذي لم يكن يخلو من أبعاده السياسية وإن كان العنوان الأبرز هو الاقتصاد.    

في مقابل ذلك، رأت قوى الإطار التنسيقي أن عليها اليوم التعامل وفق منظور مختلف، لترسيخ دعائم الحكم والحفاظ على المكاسب بعد نتائج انتخابات لم تكن مرضية وصراع خاضته مع قواعدها الشعبية في السنوات الأخيرة ومع التيار الصدري الذي يمثل قوة سياسية شيعية منافسة ذات امتداد اجتماعي شيعي داخلي واسع وعلاقات أفضل منها مع بعض القوى الإقليمية، ترسيخ دعائم الحكم بالنسبة لقوى الإطار كان من خلال محاولة تقديم صورة مغايرة للصورة النمطية المتعلقة بالقوى الأقرب إلى إيران بل اتبعت سياسة أكثر براغماتية وتبنت سياسة الانفتاح مزيدًا على المحيط العربي، بالإضافة إلى ذلك تدرك قوى الإطار التنسيقي عمق وأهمية العلاقة بين الأردن والولايات المتحدة ما قد يفتح من شأنه قناة للتواصل بين الطرفين، مما قد يحسن من الوضع المعقد الذي تعيشه بفعل قوائم العقوبات التي تصدرها وزارة الخزانة الأمريكية بحق شخصيات هم قادة في الإطار، والقيود على بنوك تابعة للفصائل المنضوية في الإطار التنسيقي، وبالتالي فإن توسيع العلاقة مع الأردن قد يخفف من هذه الضغوط.

إلا أن توسيع هذه العلاقات ما يزال يرتطم في كثير من الأحيان بحائط صد وهو الفاعل الإيراني في العراق، الذي ما تزال العلاقة بينه وبين الأردن يشوبها الشك والحذر وعدم الثقة، وبعض فصائله المسلحة المرتبطة بشكل مباشر بالحرس الثوري الإيراني غير المكترثة بتطوير العلاقة مع الأردن وتنظر بعدائية تجاهه، وهو ما يظهر بوضوح في وسائل إعلامها الرقمية، وانتشارها عند نقاط حدودية قريبة مع الأردن، وتورطها بمحاولات تهريب المخدرات إلى الأردن، كما أن بعض القوى في الإطار تمارس عبر نواب لها في البرلمان ضغوطًا مستمرة على الأردن لأسباب من قبيل أن الأردن يحتوي المعارضة وحزب البعث المحظور[3]، أو أنه متواطئ لعدم قطع العلاقات مع إسرائيل، أو لأن الأردن يستورد النفط من العراق بأسعار تفضيلية وبالتالي ينبغي إعادة النظر في هذه الامتيازات.  

الأردن والفرصة الاقتصادية داخل العراق: عقبات أمام المشاريع الكبرى    

لطالما الأردن رأى في العراق عمقًا استراتيجيًّا، ورئة اقتصادية يتنفس من خلالها ومحددًا رئيسيًّا لوضعه الاقتصادي، في المقابل تاريخيًا كثيرًا ما لعب الأردن دور المتنفس الاقتصادي للعراق في أوقات الازمات التي كان يخوضها مع الأطراف الإقليمية أو الدولية، مثل ما حدث في فترة الستينيات عندما أغلقت سوريا ميناء اللاذقية أمام حركة الصادرات والواردات العراقية، الأمر الذي أدى إلى أن يفتح الأردن للعراق ميناء العقبة الذي كان منافسًا في ذلك الوقت لميناء اللاذقية، والحدث التاريخي الأكثر أهمية هو الحصار الدولي على العراق في تسعينيات القرن الماضي، على إثر غزو صدام حسين للكويت، والذي كان الأردن هنا هو المتنفس الوحيد للاقتصاد العراقي ولدخول المساعدات إلى العراق.

شهدت العلاقات الاقتصادية الأردنية – العراقية قفزات كمية لافتة في السنوات الأخيرة، بعد أن كان حجم التبادل التجاري قد تضرر بفعل سيطرة تنظيم داعش على منفذ طريبيل الحدودي مع الأردن، إلا أن حجم التبادل التجاري اليوم يتخطى مليار دولار امريكي وبذلك يكون قد تضاعف حجم التبادل بعد إعادة فتح المنفذ عام 2017، الأهم من ذلك أن حجم الاستثمارات والأموال العراقية في الأردن بلغ اليوم أكثر من 30 مليار دولار امريكي.[4]

هنالك العديد من المصالح الاقتصادية بين البلدين، إلا أن الطموح الأردني في بعض المشاريع الكبرى ما يزال يواجه العديد من العقبات، ولربما أن السبب وراء ذلك تأثير هذه المشاريع في حال تنفيذها على المصالح الحيوية الإيرانية في العراق، مثل مشروع أنبوب النفط البصرة – العقبة، والذي ما يزال يواجه العديد من العراقيل، نتيجة تباطؤ الإجراءات من الجانب العراقي، ويمكن القول إن من أهم الاعتبارات المسببة للتباطؤ هو الفاعل الإيراني الذي قد يتضرر نتيجة هذا الأنبوب وهو ما يظهر في التهديدات التي تبديها الفصائل المسلحة بضرب الأنبوب حال تنفيذه بذريعة نية الأردن تصدير النفط لإسرائيل[5]. لا يختلف الأمر كثيرًا عن ملف حساس للغاية وهو الربط الكهربائي بين الأردن والعراق الذي دخل حيز التنفيذ بنسب محدودة جدًّا، والذي تراه إيران بمثابة تهديد لها، إذ تستثني واشنطن طهران من موارد الطاقة التي تصدرها للعراق، نتيجة الحاجة العراقية الملحة لكميات كبيرة من الطاقة توفرها ايران وتستثمرها كفرصة لدخول العملة الصعبة في ظل العقوبات المفروضة عليها، مما يجعل هذا المشروع غير مفعل بالطريقة التي كان يطمح إليها الأردن، وهو الامر كذلك في المنطقة الاقتصادية المشتركة بين العراق والأردن والذي قد يقلص من الاعتماد على الاقتصاد الإيراني الذي يعتمد على العراق في تصدير البضائع إليه بقيمة تتجاوز 4 مليار دولار امريكي سنويًّا[6].  

الأردن والعراق: ما بعد “7 أكتوبر” ليس كما قبله؟

كان الأردن قد انخرط في الجولات التي استضافتها بغداد في الحوارات الأمنية مع الجانب الإيراني، ورغم الربط الذي ساد أوساط العديد من الخبراء والباحثين أن العلاقة الأردنية مع إيران مرتبطة بالموقف السعودي أيضًا نظرًا لسحب سفير عمان في طهران احتجاجًا على اقتحام السفارة السعودية عام 2016، إلا انه كان مفاجئًا لتلك الأوساط أن الأردن لم يعد سفيره ويرفع التمثيل الدبلوماسي بعد الاتفاق السعودي – الإيراني الذي تم برعاية صينية في 2023، رغم المطالبات الإيرانية المتكررة على لسان وزير الخارجية السابق امير عبداللهيان، لكن الأردن بدا ان له ملفات خاصة هي اشكالية مع ايران وهذه الملفات تمس امن الأردن القومي، مع ان العديد من النخب الاردنية كانت تدرك حينها بأن الطريق الحقيقي والجدي إلى بغداد يبدأ من طهران والحوار الاستراتيجي معها قد يكون ضرورة دبلوماسية. 

رغم أن الأردن حاول جاهدًا تجاوز بعض مخاوفه الأمنية، إلا أن هذه المخاوف تعززت بعد “السابع من أكتوبر”، إذ شهدت عمليات محاولات التهريب للمخدرات والسلاح نشاطًا متزايدًا، وتتورط في هذه العمليات فصائل عراقية مسلحة ترتبط بالحرس الثوري تنتشر في نقاط حدودية قريبة من حدوده الشمالية مع سوريا، وحدوده الشرقية مع العراق. ومما عزز من المخاوف الأردنية المظاهرات التي أقامتها فصائل مسلحة بعضها تابع لقوى رئيسية في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم على الحدود العراقية – الأردنية “كرسالة ضغط على الأردن والمجتمع الدولي لإيقاف الحرب على غزة”[7]، تبعها استهداف القاعدة الامريكية في شمال شرق الأردن من قبل كتائب حزب الله العراق والتي أودت بحياة 3 جنود أمريكيين[8]، ردت عليه القوات الأمريكية بقصف قيادات مسؤولة عن عملية الاستهداف، لحقه بشهور قليلة تصريح أبو علي العسكري الناطق باسم (كتائب حزب الله العراق) ، والذي ابدى استعداد الكتائب  لتسليح 12 ألف أردني بالعتاد[9]، إلى جانب القصف الإيراني على إسرائيل والذي مر عبر سماء الأردن مرتين رغم المطالبات الأردنية بعدم الزج به كساحة للمواجهة، واتخاذه موقفًا سياسيًّا حادًّا تجاه إسرائيل لاعتبارات متعلقة بالفلسطينيين وأمنه القومي، وهو ما حاول الأردن إيصاله مرارًا وتكرارًا إلى الإيرانيين[10].

التحولات الإقليمية وعودة ترمب: السيناريوهات المفتوحة أمام عمان وبغداد

يدرك الأردن أنه اليوم أمام معادلة إقليمية معقدة تستلزم منه إعادة التفكير في العديد من القضايا والتحضير لمرحلة قادمة، خاصة مع ضبابية المشهد العراقي في المرحلة القادمة بعد خسارات ايران الاستراتيجية في لبنان وسوريا، وعودة ترمب الذي قد يمارس سياسة الضغوط القصوى ضد إيران ووكلائها في المنطقة والذي يعد معقلهم الأهم والأخير.

أمنيًّا، على الرغم من سقوط نظام بشار الأسد وسيطرة قوى مسلحة معادية لإيران ووكلائها، الامر الذي من المفترض ان يبدد مخاوف أردنية متعلقة بأمن الحدود وعمليات تهريب المخدرات، لكن قد تكون وجهة المهربين القادمة من الحدود الشمالية إلى الحدود الشرقية مع العراق التي تمتد إلى أكثر من 180 كيلو متر، هذه الحدود التي كان قد شهدت محاولات تهريب ضخمة وصل عدد الحبوب إلى الملايين[11]، إلا ان السنوات الماضية كانت الجبهة السورية اكثر نشاطًا نتيجة طول الشريط الحدودي بين الأردن وسوريا الذي يصل  طوله الى ضعف الشريط الحدودي بين العراق والأردن. الا اننا نتحدث عن اقتصاد المخدرات الذي يعد موردًا اقتصاديًّا أساسيًّا للفصائل المسلحة والتي تجد في الأردن مستقرًا وممرًا إلى دول الخليج.

سياسيًّا، فما بعد لبنان وسوريا، قد يكون العراق، وعلى ما يبدو أن الساسة العراقيين بانتظار حدث لا يُعرف حجمه ولا مداه، إلا أن ذلك يوجه بالضرورة للاستعداد أمام جميع السيناريوهات، وما يعزز ذلك التهديدات الإسرائيلية المتكررة للفصائل المسلحة في العراق، والضربات التي تُشن على جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، والذي على ما يبدو أنه استثمار إسرائيلي – غربي لتراجع الدور الإيراني في المنطقة وانكفائه على نفسه رغم خسارته للحلفاء ومناطقه الاستراتيجية التي عمل وقدم من أجلها لسنوات، إلى جانب فائض القوى الذي تشعر به إسرائيل والتي توعد رئيس وزرائها مرارًا أنه سيغير شكل الشرق الأوسط، وتتزامن اليوم هذه الطموحات مع عودة ترمب التي قد تحمل الكثير من المفاجآت.

اقتصاديًّا، ففي يد الإدارة الأمريكية مجموعة من الخيارات التي ستضغط فيها على ايران والعراق، اذا ما نفذ ترمب وعوده في ممارسة الضغط، مثل فرض مزيد من العقوبات على قيادات سياسية عراقية، ومزيد من العقوبات على البنوك العراقية بتهمة تهريب العملة الصعبة على ايران، عدا ذلك فإن هنالك العديد من الاحتمالات التي تطرح انخفاض أسعار النفط التي عولت كثيرًا عليها خلال عملها في السنوات الماضية حكومة الاطار التنسيقي في تثبيت دعائم الحكم وتحقيق اكبر قدر من المكاسب، وإلغاء الاستثناء الأمريكي لصادرات الطاقة الإيرانية الى العراق، مما يضع الأردن امام أسئلة متعلقة بكيفية التعامل مع الواقع الاقتصادي الجديد للعراق، ورغم التحديات التي قد تنشأ عن ذلك اردنيا، الا انه قد يشكل فرصة في نفس الوقت.

خاتمة

على الرغم من ان العلاقة الأردنية مع العراق شهدت تطورات نوعية وكمية غير مسبوقة على المستويين الاقتصادي والأمني منذ عهد النظام الجديد عام 2003، الا ان هذه العلاقة ما تزال تواجه العديد من التحديات، منها سؤال استقلالية القرار الخارجي في بغداد والتغافل الأردني المتكرر عن ضرورة فتح الحوار الاستراتيجي مع ايران بدلًا من الاكتفاء بالتعويل على الولايات المتحدة كعامل مهم في إدارة العلاقة بين عمّان وبغداد. الى جانب ذلك ما يزال الأردن لا يستطيع الاستغناء عن مخاوفه الأمنية في ظل التهديدات المستمرة التي كان قد تلقاها من الحدود السورية وتواجد الفصائل المسلحة غرب العراق بالقرب من الحدود الأردنية، الفصائل التي حاولت زعزعة استقرار الأمن الداخلي عبر محاولات التهريب والتحريض والقصف الذي طال القاعدة الأمريكية شمال شرق الأردن والذي يُخشى تكراره في ظل تصاعد وتيرة الضغط على إيران في المرحلة القادمة. لكن في جميع الحالات، يجد الأردن على ما يبدو أن حدود التقارب وضرورة تطوير العلاقة مع العراق يجب أن تبقى حاضرة ويجب التعاطي مع أي قوة سياسية تحكم البلاد، وهو ما تراه قوى سياسية عراقية أيضًا والتي قد تستشعر أهميتها مزيدًا في المرحلة القادمة. ورغم ان الطرفين قد يتشاركا الى حد ما وفي بعض القضايا نفس الرؤى، الا ان هنالك نقاط قوة أردنية في العلاقة مع العراق وقد يذهب الأردن لتفعيلها مزيدًا في المرحلة القادمة او إعادة النظر بطريقة التعاطي معها، مثل العلاقات الجيدة مع قوى شيعية ضمن الاطار التنسيقي، والعمق السني للأردن داخل العراق، وجذب مزيد من الاستثمارات العراقية في الخارج، والعلاقات الأردنية – الإقليمية والدولية كميزة أردنية والتي قد تحاول بغداد أيضًا الاستفادة منها مزيدًا في المرحلة القادمة.


[1] Husna. “Jordanian Parliamentary Movement in Baghdad Confirms Support for Jordanian-Iraqi Agreements.” Published September 15, 2021. Accessed January 4, 2025. https://husna.fm.

[2] “The Readout of President Biden’s Call with Prime Minister Mohammed Shia al-Sudani of Iraq.” The White House, February 2, 2023. Accessed January 4, 2025. https://www.whitehouse.gov/briefing-room/statements-releases/2023/02/02/readout-of-president-bidens-call-with-prime-minister-mohammed-shia-al-sudani-of-iraq/?_gl=1spfdjd_gaNzA5MzA3NDQuMTczNjAwNDg5NQ.._ga_N6Y255Y5X2MTczNjAwNDg5NC4xLjEuMTczNjAwNDk4OC42MC4wLjA._gcl_au*NzYxODI1NDM1LjE3MzYwMDQ4OTY.

[3] رغم أن الأردن تاريخيا، كان قد احتضن شخصيات معارضة لصدام حسين واستضاف في تسعينيات القرن الماضي لقاءات ومشاورات وشخصيات صاغت العملية السياسية الجديدة بعد عام 2003.

[4]Jordan News Agency (Petra). “The Jordanian-Iraqi Business and Finance Forum Highlights Iraqi Investments of $32 Billion in Jordan.” Published July 24, 2023. Accessed January 4, 2025. https://www.petra.gov.jo.

[5] ARGUS Media. “Basrah-Aqaba Oil Pipeline Will Never Be, Iraq Militia.” Published January 22, 2023. Accessed January 4, 2025. https://www.argusmedia.com/en/news-and-insights/latest-market-news/2414153-basrah-aqaba-oil-pipeline-will-never-be-iraq-militia.

[6] Shafaq News. “Iran Exports $4.5 Billion to Iraq Over Five Months.” Last modified 2023. Accessed January 4, 2025. https://shafaq.com/ar/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D9%80%D8%A7%D8%AF/%D8%A7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%A7-%D9%82%D9%8A%D9%85%D8%AA%D9%87-4-5-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%AE%D9%85%D8%B3%D8%A9-%D8%B4%D9%87%D8%B1

[7] Al-Araby Al-Jadeed. “Protest at Turaibil Border Crossing in Solidarity with Gaza Enters Its Third Week: Any Worth?” Published October 12, 2023. Accessed January 4, 2025. https://www.alaraby.co.uk/politics/%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%85-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%8A%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D9%88%D8%B9%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A3%D9%8A-%D8%AC%D8%AF%D9%88%D9%89.

[8] U.S. Department of Defense. “3 U.S. Service Members Killed, Others Injured in Jordan Following Drone Attack.” Published January 28, 2024. Accessed January 4, 2025. https://www.defense.gov/News/News-Stories/Article/Article/3659809/3-us-service-members-killed-others-injured-in-jordan-following-drone-attack/.

[9] The New Arab. “Iraqi Kataib Hezbollah Claims It Will Arm Jordanian Fighters.” Published January 1, 2024. Accessed January 4, 2025. https://www.newarab.com/news/iraqi-kataib-hezbollah-claims-will-arm-jordanian-fighters.

[10] أبو رمان، محمد. “الصفدي في طهران بين قراءتين.” معهد السياسة والمجتمع، 4 أغسطس 2024. تم الوصول إلى الرابط في: https://politicsociety.org/2024/08/04/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%AF%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D9%86/

[11] France 24. “Jordanian Authorities Foil Major Drug Smuggling Operation Coming from Iraq Hidden in Two Trucks of Date Paste.” France 24, December 25, 2022.   https://www.france24.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7/20221225-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%A8%D8%B7-%D8%A3%D8%B6%D8%AE%D9%85-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%87%D8%B1%D9%8A%D8%A8-%D9%85%D8%AE%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%82%D8%A7%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A8%D8%A3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%A7%D8%AD%D9%86%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D9%84%D8%B9%D8%AC%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%B1

زر الذهاب إلى الأعلى