مؤتمر “الإسلام السياسي بعد عقد من الربيع العربي” يختتم أعماله

01/09/2021


باحثون وخبراء يدعون إلى إطلاق مرحلة جديدة في دراسة الحركات الإسلامية

عمان- دعا باحثون وخبراء عرب شاركوا في مؤتمر الإسلام السياسي بعد عقد من الربيع العربي (الذي عقده معهد السياسة والمجتمع في عمان بالتعاون مع مؤسسة فريدريش أيبرت) إلى إطلاق مرحلة بحثية جديدة في دراسة الحركات الإسلامية في العالم العربي، تستند إلى مراجعة عميقة للجهود البحثية السابقة في دراسة هذه الحركات، وإعادة النظر المفاهيم والمقتربات والمناهج والأدوات البحثية، وتطوير الأطر النظرية لفهم هذا الحقل وتعقيداته،  وإلى الانتقال من الجهود الفردية والأحادية والعشوائية في البحث العلمي إلى العمل الجماعي لتقديم أطر نظرية أكثر تماسكاً وقدرة للولوج إلى كنه الظواهر واتجاهات التطور والتغير فيها.
وكان المؤتمر قد اختتم أعماله - يوم الثلاثاء الماضي- (التي استمرت عبر ستة جلسات استمرت خلال الفترة الممتدة ما بين 6 يونيو/حزيران حتى 31 أغسطس آب 2021، من خلال العالم الافتراضي)، حيث ناقشت حلقاته الدراسية الأسبوعية أوراقا بحثية متخصصة بدراسة وتشخيص راهنية الإسلام السياسي بعد مرور عقد على انطلاق ثورات الربيع العربي، ودراسة وتحليل التغيرات والتحولات التي طرأت على الحركات الإسلامية في العديد من الدول العربية.
تناولت الجلسة الختامية من المؤتمر، حالة الإسلام السياسي الراهنة وآفاق مستقبله، من خلال ورقتين بحثيتين، الأولى بعنوان: «التغيرات الإقليمية والدولية وأثرها على سياسات الإسلاميين» قدّمها الدّكتور عمّار فايد، الباحث في العلوم السياسيّة والعلاقات الدولية في جامعة اسطنبول آيدن، بيّن خلالها  خلالها على ملامح استجابة الإسلاميين في المنطقة العربية للتغيرات الإقليمية والدولية خلال السنوات القليلة الماضية، واستعرض بإيجاز أبرز المتغيرات الخارجية التي تتقاطع بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع سياسات الإسلاميين المحسوبين على تيار الإخوان المسلمين في المنطقة العربية.
 جادل الفايد بأن هذه القوى الإسلامية، وعلى الرغم من تباين واقعها المحلي، وتباين موقعها في المعادلة السياسية كمعارضة أو كشريك في الحكم؛ إلا أنها أعطت الأولية للاعتبارات المحلية والقطرية في تفاعلها مع المتغيرات السياسية، على حساب أي توجهات أيدولوجية أو علاقات خارجية مع باقي القوى الإسلامية.
  ورأى الفايد  أن سياسات الحركات الإسلامية تجاه المتغيرات الدولية والإقليمية جاءت استجابة لضغوط السياق الخارجي وإكراهاته، وليس نتيجة سياسات مخطط لها بصورة استراتيجية داخل الحركة الإسلامية,
 وحدد الباحث الفايد أربعة تطورات تؤثر بصورة مباشرة على واقع ومستقبل الإسلاميين في الدول العربية، وهي: صعود التيارات اليمينية في الغرب تزامنا مع الاستهداف الرسمي الإقليمي، احتدام صراع المحاور الإقليمية، اتفاقات التطبيع بين دول عربية وإسرائيل. تنامي النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.    
  واستنتج الباحث  مشتركا عاما للإسلاميين، وبنسب متفاوتة؛ أولا: هيمنة المحلي والقطري، ثانيا: غلبة المصالح الحزبية والجيوسياسية على اعتبارات الأيدولوجيا، ثالثا: التمسك بمنهج التغيير السلمي.
  وصل عمّار الفايد في ورقته إلى أن الإسلاميين يستجيبون للسياق الذي يتواجدون فيه، سواء كان السياق محليا، أو إقليميا، أو دوليا. ويرجح هذا بصورة أساسية إلى أن مشروع الإسلاميين منذ نشأته وهو مشروع غير ناجز، وأن هذه الطبيعة توفر ميزة كبيرة للإسلاميين، فهي تمتعهم بالقابلية للتطور وتجديد أنماط عملهم وخياراتهم السياسية والتنظيمية، كما توفر لهم المرونة الضرورية لممارسة السياسة.
 أما الورقة الثانية فكانت بعنوان «أسئلة المنهج والنظرية في دراسة الحركات الإسلامية: ملاحظات أوليّة» قدّمها  د. خليل العناني؛ أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدوليّة المشارك بمعهد الدوحة للدراسات العليا. وانطلقت الورقة من سؤال محوري وهو كيف يمكن وكيف يجب دراسة الحركات الإسلامية؟
 وفي محاولة الإجابة على السؤال، شخَّص العناني مجموعة اقترابات وإشكاليات تبدأ بوجود فوضى مفاهيمية. فبالرغم من الكم الهائل من الدراسات والكتابات، فضلاً عن المادة الإعلامية المنتَجة فيما يخص الظاهرة محل البحث (الحركات والجماعات الإسلامية)، فإن ثمة غيابا  لما يسميه "خريطة علمية ومنهجية وبحثية واضحة لدراسة هذه الحركات والجماعات". ورأى أن كثرة هذه الدراسات والكتابات، وعلى عكس ما قد يبدو ظاهرياً بأنها نقطة إيجابية، إلا أنها تعد دليلاً على غياب هذه الخريطة العلمية التي يمكن الاهتداء بها في تأطير وفهم هذه الظاهرة، وهو ما يجعل هذه الدراسات والكتابات، جزءاً من المشكلة، وليس الحل.
  وجد العناني أنه وعلى الرغم من الإنتاج البحثي الغزير على مدار العقود الأربعة الماضية (خاصة منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي)، في مجال دراسة الحركات والجماعات والتنظيمات الإسلامية، إلا أنه حتى هذه اللحظة لم يتشكل "حقل" معرفي أو بحثي واضح، بملامح وتقاليد وخريطة معرفية وبحثية ومنهجية محددة يمكن أن يساعد في فهم وتفكيك وتفسير هذه الظاهرة. وفي أغلب الأحوال، تخـضع دراسة هذه الظاهرة لتقديرات الباحثين واجتهاداتهم وخبراتهم الشخصية من دون تأطير واضح متفق عليه حولها.
 ودعا العناني إلى بناء على كل ما سبق إلى إعادة النظر في المناهج والأدوات البحثية التي يتم استخدامها في مجال دراسة الحركات الإسلامية، فعلى مدار العقود الأربعة الماضية هيمن منهجان رئيسيان على دراسة الحركات الإسلامية. الأول هو المنهج التاريخي الذي ركز على نشأة وتطور هذه الحركات خاصة منذ أوائل القرن العشرين ومحاولة تتبع تطورها التنظيمي والسياسي والفكري. أما المنهج الثاني فهو المنهج الوصفي والذي ركز على وصف البنية الفكرية والإيديولوجية والتنظيمية لهذه الحركات وتفاعلاتها السياسية سواء مع الأنظمة السياسية أو الحركات المشابهة.
كما دعا الباحث والأكاديمي المصري إلى  إعادة النظر في الافتراضات والمسلمات، وطرح ذلك من خلال مثالين، الأول أنّه ساد انطباع لعقود طويلة حول بعض الحركات مثل جماعة الإخوان المسلمين المصرية بأنها متماسكة أيديولوجيًا وسياسيًا وتنظيميًا أو أنها جماعة مرنة أو "غير قابلة للكسر". ولكن ثبت أن هذا افتراض خاطئ أو معيب على أقل تقدير، أما الافتراض النظري الثاني فيتعلق بما بات يُعرف في أدبيات دراسة الحركات الإسلامية بأطروحة "الدمج والاعتدال" التي سادت خلال العقدين الماضيين والتي ثبت أنها إما معيبة أو غير كافية في تفسير تحول الإسلاميين في المنطقة العربية.
 كما جادل العناني بأهمية الانتقال إلى البعد الجماعي على حساب المستوي الفردي في تحليل ودراسة الحركات الإسلامية. فعلى مدار عقود كان مفهوم "الجماعة" أو "الحركة" هو الوحدة التحليلية التي ينطلق منها الباحثون في محاولة فهم وتفسير سلوك الإسلاميين. وهو أمر رغم أهميته إلا أنها يتجاهل الأفراد كوحدة تحليل رئيسية في هذه الحركات.
 ثم ركَّز العناني على أهمية دراسة دور النساء داخل الحركات الإسلامية، وإعادة التفكير في مسألة الجندر وتمثيل النساء في دراسة الحركات الإسلامية، بالإضافة إلى ما أطلق عليه "أنسنة" و"طبعنة" مجال دراسة الحركات الإسلامية، أي التعاطي مع هذه الحركات والجماعات باعتبارها حركات وكيانات طبيعية (سواء اجتماعية أو سياسية أو دينية) وليس باعتبارها "ظاهرة" استثنائية تقع خارج سياق المعقول في المجال البحثي. وذلك مع الاعتراف بخصوصية هذه الحركات فكرياً وإيديولوجيا.
  بدورهم ناقش الباحثون والباحثات ما استعرضه الباحثان من أفكار واستنتاجات، فأشار عبدالحكيم أبو اللوز إلى أنه بقدر ما تنغرس الحركات الإسلامية في الممارسات المحلية فإنها تنشغل عن العمل الإقليمي، وأشاد بدور المنهج الوصفي ودوره  فيما سبق في تشخيص الحالات الدراسية، لكنه رأى أنّ الإشكالية تكمن في كثير من الأوقات في مهارات الباحثين ومدى قدرتهم على دراسة الحركات بصورة منهجية وموضوعية.
  وخلصت الدكتور هبة رءوف عزت إلى أهمية الأخذ بعين الاعتبار الانتقال من المناهج البسيطة أو الأحادية في دراسة هذه الحركات إلى المناهج بنفس المركّبة، ورأت أن غياب التعقيد في رؤية الواقع أدى إلى أن الباحثين لايدركون أبعاد الظاهرة.
 وأشارت إلى  أن الإسلاميين لم يهتموا بتحليل الواقع الذي يعيشونه ولا حتى بدراسة المتغيرات المختلفة، ما أثار على قدرتهم على فهم المتغيرات التي تحيط بهم وبالتعامل معها. ورأت عزت أنّ هنالك غياباً لما تسميه (الأنتليجنسيا) الإسلامية، مع استمرار النظر إلى حسن البنا وسيد قطب  على أنهم رافعات فكرية،مما غلّب الجانب الحركي على الفكري والتنظيري.
 أمّا د. شفيق شقير فقد أشار إلى أهمية المقابلات والاقتراب بصورة منهجية أعمق في دراسة الحركات بدلاً من التصورات المسبقة أو الاكتفاء بالنظر من الخارج لها. لكنه اختلف مع العناني في إشكالية تعريف من هو الإسلامي وسؤال الاعتدال والتطرف، ورأى أنه يمكن الوصول إلى تعريفات مشتركة بين الباحثين بهذا الخصوص.
 بدوره أشار د. هشام جعفر إلى أهمية دراسة الانتقالات والتأثيرات الإقليمية، ودراسة الأصوات الداخلية في الحركات، وأهمية وضع الظاهرة في سياقها المجتمعي، لأنه في كثير من الأوقات يتم فصلها من قبل الباحثين لإيجاد إنتاج علمي مستقل، ما يجب عوامل ومتغيرات مهمة وأساسية في فهم التحولات والتغيرات وأسبابها ونتائجها.
 ونوهت د. أمال قرامي  إلى وجود مناهج ومقاربات أخرى غير التاريخي والوصفي، في دراسة الحركات الإسلامية تطورت خلال الأعوام الأخيرة،  منها المنهج السوسيولوجي الذي يدرس التفاعلية الاجتماعية ومسار الأفراد، ودعت إلى أهمية توظيف المنهجية الاثنوغرافية التي تقوم على دراسة الإسلاميين من خلال المعايشة الاجتماعية.
 واتفق د. أحمد زغلول مع الباحثين بوجود أزمة في الدراسات المترجمة عن الحركات الإسلامية وفي العجز في كثير من الأحيان لدى نسبة كبيرة من الباحثين في الاقتراب من الحركات الإسلامية  من الداخل، لأسباب عديدة منها تمنع الإسلاميين أنفسهم ومنها الظروف الأمنية والسياسية في العديد من الدول العربية.
 أما الباحث المهندس غيث القضاة فقد تساءل معقباً على حديث العناني عن الفوضى البحثية والمفاهيمية فيما إذا كنا بعد كل هذه الجهود من الدراسات والأبحاث والكتب العلمية ما نزال نعتقد أنّنا عاجزون عن تعريف الإسلاميين وتأطير مناهج دراستهم، فيما إذا كان السبب يعود للباحثين والخبراء أنفسهم أم إلى طبيعة الظاهرة المدروسة نفسها؟
  من جهته رأي الباحث الأردني حسن أبو هنية أنّ هنالك العديد من الإشكاليات في دراسة الحركات الإسلامية، منها التحيّز في خلفيات وتوجهات الباحثين والجهات المعنية بهذا الأمر، بخاصة إذا أخذنا تطور دراسة الحركات الإسلامية في الأوساط البحثية والأكاديمية الغربية، التي ارتبطت في كثير من الأحيان في الأجهزة الاستخباراتية وفي الرؤى الاستشراقية، وفي المخاوف والهواجس التي تحيط بدراسة هذه الحركات في العالم العربي، بما في ذلك البعد الأمني الذي يحول دون الوصول إلى دراسات معمقة وموضوعية، في ظل تصنيف أغلب هذه الحركات من قبل الأنظمة العربية بوصفها حركات إرهابية أو متطرفة أو خطراً على الأمن الوطني.
 وقدّم د. محمد أبو رمان ملاحظات ختامية، تلخصت في ثلاثة إشكاليات رئيسية: إشكالية الباحثين، وإشكالية الحقل الدراسي وإشكالية الظاهرة المدروسة. فعلى صعيد  الباحثين هنالك أزمة حقيقية في القدرة من الاقتراب الآمن من الظاهرة ودراستها بعيداً عن الخلفيات الأيديولوجية والضغوط الأمنية والأجندات السياسية، لذلك تسود المخاوف والتصنيفات والوصوم في اوساط الباحثين، فينقسمون إلى مع وضد، وفي كثير من الأوقات تكون هنالك تبعات تقع عليهم نتيجة دراسة هذه الحركات.
 أما إشكالية دراسة الظاهرة (الحركات الإسلامية) فتتمثل في أنّها ظاهرة متحركة ومتداخلة أمنيا وسياسيا واستراتيجيا، وتاريخياً وواقعياً، تصبح شروط الانحياز والحياد والموضوعية بمثابة مدخلات خارجية مؤثرة في النتائج بالإضافة إلى الأمن الشخصي التي تؤثر على تعامل الباحثين مع الظاهرة، بالتالي باحث الحركات الإسلامية ليس في مأمن.
 وأخيراً على صعيد الحقل البحثي، فمن الواضح أنّ أغلب الباحثين العرب اندمجوا في دراسة هذه الحركات بصورة مباشرة، وفردية، من دون إعطاء الأهمية المطلوبة والعميقة للاطر النظرية والمفاهمية والمناهج المستخدمة في هذه الدراسات، فأصبح هنالك تكاثر في حجم هذه الدراسات مصحوباً بحالة من الفوضى والعجز النظري في مجال المناهج والأدوات والنظريات، والافتقار إلى الجهود الجماعية البحثية.
 وانتهى د. أبو رمان إلى أهمية إطلاق مرحلة جديدة في البحث العلمي العربي، بالاشتراك مع الباحثين الغربيين، تقوم على مراجعة للمناهج والأدوات وتطوير الحقل النظري وتنظيم المجال البحثي وأولوياته وإعادة النظر في الأسئلة البحثية، والأهم من ذلك كله التحول نحو الجهود الجماعية، وهو ما أيده د. العناني الذي دعا إلى تشكيل تيار من الباحثين المتخصصين في دراسة هذه الحركات.
 اختتمت د. رشا فتيان، مديرة معهد السياسة والمجتمع، أعمال المؤتمر بالتأكيد على ضرورة استمرار الحلقة البحثية من الخبراء والباحثين المشاركين في التواصل والتوافق على الأجندة البحثية القادمة، وأكدت استعداد المعهد لرعاية أي جهود في هذا المجال.

 
النشرة الدورية أدخل عنوان بريدك للاشتراك في القائمة البريدية للمركز والحصول على آخر الأبحاث والدراسات على بريدك الخاص