عين على المنطقة: قراءة في منهجية الدبلوماسية الأردنية وتقييم المسارات وسط التحوّلات الإقليمية الراهنة

تشهد المنطقة لحظة إقليمية شديدة التعقيد، إذ تواصل تداعيات الحرب على غزة إعادة تشكيل خرائط النفوذ ومسارات التفاعل بين القوى الإقليمية والدولية، حتى بعد دخول الوضع في القطاع مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار والبحث المكثّف في ترتيبات “اليوم التالي”. وفي ظل هذا المشهد المتحرك، فإن طبيعة التحركات الأردنية الأخيرة يتم قراءتها بوصفها امتدادا لمنهج دبلوماسي يسعى إلى إدارة التوازنات وتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، مع الدفع المتواصل نحو مسار سياسي يضمن أمن المنطقة واستقرارها.
تنطلق المقاربة الأردنية، كما يتضح من مواقفها المتتابعة في الأسابيع الأخيرة في مجلس الأمن والمحافل الدولية المختلفة، من ثوابت راسخة تتمحور حول:
- المركزية الفلسطينية باعتبارها القضية الجوهرية للأمن الإقليمي؛
- الوصاية الهاشمية على المقدسات بوصفها عنصرا رئيسيا في الحفاظ على الهوية الدينية والسياسية للقدس؛
- تحصين الأمن القومي الأردني في ظل تمدد حالة عدم اليقين على الحدود الشمالية والشرقية؛
- الحفاظ على شبكة توازنات دقيقة في العلاقات مع القوى العربية والدولية المؤثرة.
ويعكس هذا النهج قناعة أردنية بأن الطريق نحو استقرار مستدام لا يمكن أن يتجاوز الحل السياسي العادل للقضية الفلسطينية، وأن استمرار الغموض في ترتيبات اليوم التالي سيعمّق منسوب المخاطر على الأردن والمنطقة على حد سواء.
كذلك، فإن تزايد التشابك بين الملفات الإقليمية – من التطورات في سوريا، إلى احتدام التنافس الإيراني–الإسرائيلي، وصولا إلى مسارات التطبيع والتحالفات الاقتصادية والأمنية – يفرض على السياسة الخارجية الأردنية إعادة تموضع مستمر وبناء مقاربة أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة للمتغيرات الطارئة.
وعليه، تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة معمّقة لمرتكزات السياسة الأردنية في هذه المرحلة الحرجة، وتحليل التحديات المتنامية التي تواجه صانع القرار الأردني في ظل إعادة رسم التوازنات والاستراتيجيات الإقليمية، بالإضافة إلى تفكيك أثر تداخل الملفات واشتباك مصالح الفاعلين في صياغة خيارات الأردن وتحركاته الدبلوماسية.
المحتويات
أولا: السياسة الأردنية: مقاربة تقديرية في الدبلوماسية والأمن
ثانيا: الأمن الفلسطيني، القوة الدولية، والوجود الإسرائيلي – قراءة تقديرية في مسارات ما بعد وقف إطلاق النار
ثالثا: قراءة تقديرية لسلوك إسرائيل: الضغوط، المأزق الداخلي، ودوائر التصعيد
رابعا: الملف السوري: العمق الاستراتيجي وإدارة التوازن الإقليمي – قراءة تقديرية
خامسا: الفواعل في الإقليم: قراءة تقديرية في اتجاهات التحالفات وموازين الاستجابة للأزمات
خاتمة: إدارة الخسائر وربط الإعمار بالسياق السياسي
أولا: السياسة الأردنية: مقاربة تقديرية في الدبلوماسية والأمن
يستند تقدير معهد السياسة والمجتمع للوضع الراهن إلى قراءة تشير إلى أن الأردن يرجّح أن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار ستنفتح على نقاشات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في غزة والضفة الغربية. وعلى الرغم من استمرار الحراك داخل مجلس الأمن، يبدو أن هناك محاولات دولية – لا يمكن الجزم بنتائجها بعد – لدفع النقاش نحو ترتيبات تتجاوز الهدنة إلى هندسة شكل المرحلة المقبلة.
وفي ضوء المؤشرات المتاحة، قد يكون الأردن بصدد تعزيز حواراته مع الشركاء الدوليين بهدف تفادي سيناريوهات قد تؤدي إلى فرض حلول أحادية الجانب. ويستند هذا الاتجاه إلى قناعة أردنية بأن أي مقاربة تتجاوز الإجماع الدولي قد تُحدث اختلالات تُضعف فرص الاستقرار الدائم..
الرفض الأردني للضمّ: ثابت أم يدخل مرحلة جديدة؟
تُظهر مواقف عمّان الأخيرة، وفق ما يمكن استنتاجه من رسائلها الدبلوماسية، تمسّكا برفض ضمّ الضفة الغربية أو تقويض مسار الدولة الفلسطينية. وقد يكون هذا الرفض في طريقه ليصبح أكثر حدة إذا تصاعدت الخطوات الإسرائيلية الأحادية. ومن غير المستبعد أن يشهد الموقف الأردني تصعيدا دبلوماسيا محسوبا في حال بدأ المسار السياسي بالانحسار أو التفكك.
في هذا السياق،تشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة قد تتضمّن محاولات لصياغة ترتيبات أمنية جديدة في غزة، لكن ملامح هذه الترتيبات ما تزال غير واضحة. ويرجَّح أن يسعى الأردن إلى ضمان ثلاثة أمور أساسية:
- ألا تُترك غزة دون جهة رسمية ومتفق عليها تدير شؤونها، حتى لا يحدث فراغ أو فوضى.
- ألا تكون الحلول الأمنية هي العنصر الوحيد، بل أن ترافقها خطوات سياسية واضحة تعيد الحقوق الفلسطينية إلى إطار تفاوضي جاد.
- أن يتضمّن أي اتفاق مبادئ سياسية واضحة ومُعلنة تحكم المرحلة المقبلة، مثل الالتزام بقيام دولة فلسطينية، واحترام دور السلطة الفلسطينية، ومنع فرض أمر واقع جديد بالقوة.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم الآن بإمكانية تحقيق هذه الأهداف، لأن الدول المؤثرة لم تتوافق بعد على شكل المرحلة القادمة ولا على من ستكون له الكلمة الرئيسية في ترتيب الوضع الأمني والسياسي في غزة.
الأمن الوطني الأردني: مقاربة واقعية تتجه نحو احتمالات التحوّل
تشير القراءة التحليلية أن معادلة “تحصين الداخل شرط لدعم فلسطين” ما تزال تمثل الإطار الناظم لموقف الأردن من التطورات الإقليمية، غير أن التحولات المتسارعة في الضفة الغربية قد تدفع هذه المعادلة إلى مرحلة إعادة ضبط دقيقة تتيح للدولة الأردنية التكيّف مع سيناريوهات قد تكون أكثر تعقيدا مما شهده الإقليم منذ سنوات.
فعمّان تبدو مدركة أن أي اختلال واسع في بنية السلطة أو تفكك في المشهد الأمني بالضفة سيضع الأردن أمام تحديات مباشرة تمسّ أمنه القومي وتوازناته الداخلية. ومع أن السياسة الأردنية لطالما اعتمدت مقاربة متدرجة ومحسوبة، إلا أن الأسابيع المقبلة قد تحمل مؤشرات تدفع الأردن نحو توسيع نطاق أدواته الوقائية والسياسية بالتوازي مع المحافظة على مركزية ثوابته في دعم الشعب الفلسطيني وحماية مصالحه الاستراتيجية.
فالمقاربة الأردنية تشير، كما كانت دائما، إلى أن تحصين الداخل يشكّل الشرط الأول لفاعلية الدور الأردني تجاه فلسطين. فاستقرار الدولة داخليا – أمنيا وسياسيا واقتصاديا – هو الذي يضمن قدرتها على التحرك الخارجي بثقة ومرونة، ويحول دون استغلال الأطراف الأخرى لأي ثغرات داخلية للضغط على الأردن أو الحدّ من خياراته. ويشمل هذا التحصين تعزيز التماسك الاجتماعي، وتطوير الجاهزية الأمنية، والحفاظ على التوازنات السياسية، بما يتيح للأردن أن يحافظ على استقلالية قراره وقدرته على العمل ضمن بيئة إقليمية مضطربة. وفي هذا الإطار، يصبح واضحا أن الأردن القوي هو الأردن الذي يستطيع دعم فلسطين، ليس فقط عبر المواقف الدبلوماسية، بل من خلال بناء أرضية داخلية مستقرة تُمكّنه من أداء دوره التاريخي والإقليمي دون أن يتأثر باستحقاقات ضاغطة أو تهديدات مفاجئة.
من جانب آخر، تقديرنا يشير إلى أن الأولوية الأردنية ستبقى منع الفراغ الأمني سواء في غزة أو الضفة. لكن هذا الهدف قد يصبح أكثر تعقيدا في حال اتجهت إسرائيل لفرض ترتيبات أحادية. وبحسب القراءات المتاحة، قد تحتاج عمّان إلى بناء تحالفات عربية–إسلامية أكثر تماسكا، خاصة إذا بدأت حالة الإجماع الحالية بالتآكل.
ويبقى أن الضفة الغربية ستظل محورا أساسيا للأمن الوطني الأردني، لكن من المبكر تحديد ما إذا كانت التطورات المقبلة ستفرض على الأردن أدوارا إضافية أو تخفيفا في الانخراط حسب اتجاه الأحداث. فرغم تركّز الاهتمام الدولي على غزة، تواصل عمّان – كما يبدو – العمل بشكل يومي على ملف الضفة الغربية، انطلاقا من إدراك أن الضفة تشكل المجال الاستراتيجي الأكثر التصاقا بالأمن الوطني الأردني. وتتمثل المخاوف الرئيسة في:
- توسع الاستيطان،
- الضغوط الاقتصادية،
- الإجراءات الإدارية التي قد تعمّق الأزمة،
- وتراجع القدرة الفلسطينية على إدارة الحيز المدني.
ولذلك، من المرجّح أن يشكل هذا الملف محور ضغط سياسي وقانوني مستمر في المرحلة المقبلة.
في هذا الإطار المتحرك، يبدو أن الخطاب الأردني يسعى – كما تعكسه تحركات عمّان الدبلوماسية – إلى توسيع إطار التركيز الدولي بحيث لا يُنظر إلى الحرب باعتبارها أزمة محصورة في غزة فقط، بل كمنظومة مترابطة تمتد آثارها الأخطر نحو الضفة الغربية. فهناك تقدير أردني متنامٍ بأن الضفة قد تتحول إلى مسرح التهديد الأكثر استدامة سواء عبر تسارع الاستيطان، أو محاولات تفكيك السلطة الفلسطينية، أو فرض وقائع أحادية يُخشى أن تتطور إلى مواجهة مفتوحة.
يجب الإشارة هنا إلى أن ضمّ الضفة الغربية قد يقود إلى انفجار إقليمي شامل، وعلى هذا، يجب أن تمتلك التحذيرات الأردنية القدرة على التأثير بهذه المعضلة، خاصة عندما تتقاطع مع تقديرات أمنية دولية ترى أن الضفة تمثل مفصلا استراتيجيا في معادلة الاستقرار الإقليمي.
ومع ذلك، يبقى من المبكر تقدير ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة اليوم لاعتماد المقاربة ذاتها، في ظل بيئة أكثر تعقيدا وتنافسا على النفوذ، وضغوط داخلية تؤثر في القرارات المتعلقة بالشرق الأوسط. فالقراءة الأولية تُظهر أن التحدي الأبرز أمام السياسة الخارجية الأردنية والعربية يكمن اليوم في الحفاظ على اهتمام الإدارة الأميركية الحالية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بالملف الفلسطيني. ذلك أن المزاج السياسي داخل واشنطن، في ظل رئاسة ترامب، يتسم بقدرة كبيرة على اتخاذ قرارات سريعة وذات أثر ملموس، مقابل حساسية واضحة تجاه الضغوط الداخلية والخارجية. ومن المرجّح أن جزءا من الجهد العربي يتركز على إقناع البيت الأبيض بأن أي خطوات سياسية أو إنسانية في الملف الفلسطيني يمكن أن تُترجم إلى “إنجاز” يحسب للإدارة على المستوى الدولي، شريطة أن تُصاغ بطرق لا تؤدي إلى توترات غير محسوبة في الميدان.
وتكمن أهمية الدور الأمريكي في أن تقديرات متعددة تشير إلى أن الرئيس ترامب يظل الفاعل الأكثر قدرة على التأثير المباشر في مسار وقف إطلاق النار أو تعديل قواعد الاشتباك السياسي بين الأطراف، ما يجعله محورا رئيسيا في الاتصالات الأردنية والإقليمية. ويبدو أن عمّان تُراهن – بدرجات مختلفة – على نافذة النفوذ التي يتيحها نمط الحكم في واشنطن، خاصة أن أولويات الأردن خلال هذه المرحلة تتراوح بين تثبيت التهدئة، وتأمين المساعدات الإنسانية، ووقف أي محاولات للتهجير القسري، إضافة إلى التعامل مع السياسات الإسرائيلية التي قد تهدد الاستقرار الإقليمي.
لا بد الإشارة هنا إلى أن الملك عبد الله الثاني ما يزال يمتلك قدرة عالية على قراءة التحولات داخل واشنطن، سواء على مستوى الرئاسة أو الكونغرس أو مراكز التأثير السياسي. وقد يُفسّر ذلك استمرار الدعم الأميركي الواضح للأردن حتى في فترات تكون فيها البيئة الإقليمية أكثر اضطرابا. ويبدو أن العلاقات الأردنية–الأميركية تتحرك ضمن مسارين متداخلين:
- مسار ثنائي ثابت يحافظ على مستوى متقدم من التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي، وقد يكون أقل تأثرا بالتحولات السياسية في واشنطن.
- مسار إقليمي مرن يتحدد وفق طبيعة التحديات في فلسطين وسوريا والعراق، ويتطلب قدرة أردنية مستمرة على المواءمة بين الضرورات الأمنية وحسابات المصالح الأميركية.
لا تزال عمّان تحتفظ بموقع مميز داخل المؤسسات الأميركية، مستندة إلى تراكم طويل في العلاقات الثنائية، وقدرة الملك عبدالله الثاني على المحافظة على حوار مفتوح حتى في الفترات السياسية الأكثر حساسية.
وتبقى الأسئلة مفتوحة حول:
- ما إذا كانت إدارة ترامب الحالية ستدفع باتجاه رؤية سياسية جديدة للملف الفلسطيني؟
- أو ستفضّل إدارة أمنية مرحلية تُبقي الوضع ضمن حدود السيطرة؟
- وكيف يمكن للأردن أن يوازن بين الانخراط الإيجابي والحيلولة دون انفراد إسرائيل بصياغة ملامح “اليوم التالي”؟
في هذا السياق، يواصل الأردن – ضمن رؤية ثابتة – إصدار تقارير دورية تتضمن أرقاما وبيانات دقيقة عن الانتهاكات في القدس المحتلة. ويبدو أن الهدف الاستراتيجي لهذا الجهد هو:
- تثبيت الرواية الأردنية في الوعي الدولي،
- تعزيز الارتباط المبدئي بالوصاية الهاشمية،
- واكتساب دعم أطراف لا يُتوقع عادة انخراطها، كما حدث في الموقف المجري.
ومن المرجّح أن استمرار إبراز الدور الأردني في حماية الوجود المسيحي والإسلامي في القدس سيساهم في تعميق الفهم الدولي للموقف الأردني، وربما يوسّع دائرة الدول التي تتعاطى مع هذا الملف بحساسية أكبر.
ثانيا: الأمن الفلسطيني، القوة الدولية، والوجود الإسرائيلي – قراءة تقديرية في مسارات ما بعد وقف إطلاق النار
تشير المناقشات الإقليمية والدولية الجارية حول مستقبل غزة بعد وقف إطلاق النار إلى أن الأطراف الفاعلة تتعامل مع ثلاثة محاور رئيسية يُرجَّح أن تشكّل الإطار الأولي لأي ترتيبات مستدامة. ورغم أن ملامح هذه المحاور ما تزال قيد التشكل، إلا أن المؤشرات الأولية تسمح بقراءة تقديرية لهذه المسارات.
أولا: الأمن الفلسطيني – بين الحاجة إلى التمكين واحتمالات التعقيد
تبدو فكرة بناء منظومة أمن فلسطينية موحدة إحدى النقاط الأكثر تداولا، لكنها ما تزال محكومة بسلسلة من الأسئلة المفتوحة. فهناك إدراك متزايد لأهمية وجود أجهزة أمنية فلسطينية قادرة على إدارة الأمن الداخلي ومنع الفوضى، خاصة في ظل الحاجة إلى عودة المؤسسات المدنية وتثبيت الحكم الإداري في القطاع.
إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بعدة عوامل متغيرة، من بينها:
- درجة قبول الفصائل الفلسطينية المختلفة بإعادة هيكلة القرار الأمني،
- مدى استعداد المجتمع الدولي لتقديم دعم مؤسسي طويل الأمد،
- قدرة السلطة الفلسطينية على ملء الفراغ دون إثارة توترات داخلية.
وقد يُحتمل أن تتحول هذه المسألة إلى إحدى العقد الرئيسية في مرحلة «اليوم التالي»، خصوصا إذا لم تُرفق بخطة سياسية واضحة تُنهي الازدواجية القائمة بين غزة والضفة.
ثانيا: القوة الدولية – وظيفة محدودة أم دور يتوسع تدريجيا؟
يبدو أن النقاش حول قوة دولية أو مراقبين دوليين يأخذ شكلا “تحويطيا” أكثر منه بديلا عن السيادة الفلسطينية. فالأدوار التي تُطرح – وفق القراءات الأولية – تتمحور حول مهام ضبطية وتنسيقية بهدف منع الاحتكاك المباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتهيئة بيئة مستقرة تسمح بإطلاق مسار سياسي جديد. ومع ذلك، يبقى احتمال توسيع هذا الدور قائما، خاصة إذا واجهت الأطراف المحلية صعوبات في إدارة المرحلة الانتقالية.
ويلاحظ أن العديد من الدول العربية، بما فيها الأردن، تتجنب الانخراط الميداني في غزة دون وجود إطار سياسي واضح وملزم، وهو ما يعكس خشية من أي ترتيبات قد تُفضي إلى إدارة أزمة لا إلى حلها. وقد يتوقف حجم الدور الدولي – إن وُجِد – على طبيعة التفاهمات بين واشنطن والعواصم الإقليمية.
ثالثا: الوجود الإسرائيلي – مسار الانسحاب وسؤال الإطار الدولي
تشير المعطيات المتداولة إلى أن إسرائيل ما تزال تحتفظ بسيطرتها على ما يقارب 53% من مساحة القطاع، وهو ما يجعل مستقبل الإعمار، وقدرة الهدنة على الصمود، مرتبطين بشكل وثيق بجدول زمني واضح للانسحاب. ورغم أن هذا الجدول لم يُحسم بعد، إلا أن السيناريو الأكثر تداولا يتمثل في انسحاب تدريجي تحت إشراف دولي، وبما يراعي اعتبارات الأمن الإسرائيلية ويمنح الفلسطينيين هامشا أكبر لإدارة شؤونهم.
لكن هذا السيناريو يواجه عدة احتمالات مُعطِّلة، أبرزها:
- تغير حسابات الحكومة الإسرائيلية الداخلية،
- تباين المواقف الدولية حول شكل الإطار المشرف على الانسحاب،
- المخاوف من فراغ أمني قد يستغله اللاعبون غير الدوليين.
وقد يُصبح ملف الانسحاب أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، نظرا لارتباطه المباشر بإعادة الإعمار وتثبيت وقف إطلاق النار، إضافة إلى تأثيره المباشر على الاستقرار الإقليمي.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية: زخم متنامٍ أم موجة مؤقتة؟
يشهد ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية موجة اهتمام متزايدة خلال الفترة الأخيرة، مع بروز السعودية وفرنسا كفاعلين رئيسيين في إعادة طرحه على الساحة الدولية. ويعكس هذا التحرك رغبة عدد من الدول في إحياء المسار السياسي بعد سنوات من الجمود، مستفيدة من الظرف الإقليمي الضاغط الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش العالمي. غير أن الزخم الحالي ما يزال في بدايته، ومن غير الواضح بعد ما إذا كان سيتحول إلى خطوات تنفيذية أم سيبقى في إطار المواقف السياسية.
ورغم أهمية هذا الحراك، إلا أنه قد يصطدم بعقبات سياسية وقانونية قد تبطئ تقدمه أو تحدّ من مخرجاته. فغياب توافق بين القوى الكبرى -ولا سيما الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى- يشكل سقفا واضحا أمام أي تحرك دولي واسع. كما أن الإطار القانوني للاعتراف بالدولة، في ظل غياب سيطرة فعلية على الأرض وانقسام المشهد الفلسطيني الداخلي، يضيف طبقة أخرى من التعقيد تجعل أي قرار دولي بحاجة إلى ترتيبات دقيقة قبل تحوله إلى واقع سياسي
على الرغم من هذه التحديات، من المتوقع أن يتطور ملف الاعتراف ليصبح إحدى أدوات الضغط السياسي الفاعلة خلال الأشهر المقبلة. فقد تلجأ الدول المؤيدة لهذا المسار إلى طرح مشاريع قرارات في الأمم المتحدة، أو بناء تحالفات دبلوماسية عربية–أوروبية مشتركة تعيد صياغة النقاش حول حلّ الدولتين. ويمكن أن يشكل هذا الملف أيضا وسيلة للضغط على إسرائيل لوقف الإجراءات الأحادية في الضفة الغربية، وعلى الولايات المتحدة لإعادة الانخراط في المسار السياسي بصورة أكثر فعالية.
ومن المرجح أن يكتسب هذا المسار أهمية إضافية مع تزايد الانقسام العالمي حول كيفية التعامل مع ملف غزة والضفة بعد الحرب، إذ قد تسعى أطراف مختلفة إلى استخدام الاعتراف بالدولة الفلسطينية كأداة لإعادة توجيه مسار التسوية. ومع أن المسار لا يزال غير محسوم، إلا أن تصاعد الحديث عنه يدل على أنه قد يتحول إلى محور مركزي في التفاعلات السياسية القادمة، وربما إلى أحد العوامل المحددة لشكل الترتيبات الإقليمية في مرحلة ما بعد الصراع.
إدارة غزة ومقاربة اللجنة الفلسطينية: قراءة تقديرية في مسارات تتشكل
يُظهر الحراك الإقليمي والدولي الراهن أن ملف إدارة قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار ما يزال في طور التشكل، إذ يجري تداول فكرة أولية – لم تتبلور بعد إلى خطة كاملة – تقوم على تشكيل لجنة فلسطينية يرأسها رئيس دولة فلسطين، تتولى إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية. ووفق المؤشرات الحالية، تبدو هذه الفكرة أقرب إلى مقترح مبدئي منها إلى صيغة قابلة للتنفيذ، نظرا لغياب التفاصيل المتعلقة بآليات العمل، والمرجعيات القانونية، ومستوى الالتزام الدولي تجاهها.
من منظور تقديري، يبدو أن الأردن يتعامل مع هذا المقترح بحذر محسوب، ربما بهدف تفادي أي صياغات قد تُفسَّر – بقصد أو من دون قصد – كمحاولة لإنتاج فصل سياسي أو إداري بين غزة والضفة. وفي الوقت نفسه، من غير الواضح بعد ما إذا كانت هذه المخاوف ستُحسم عبر تفاهمات عربية–دولية، أم ستظل جزءا من نقاش مفتوح قد يأخذ وقتا أطول مما يُتوقع.
تشير القراءة الأولية إلى أن الولايات المتحدة لا تتبنى بالكامل فكرة اللجنة الفلسطينية بصيغتها المطروحة، وتفضل بدلا من ذلك إطارا إداريا أوسع يضم أطرافا متعددة، مع منح الفلسطينيين دورا محدودا في قيادته. أما الدول العربية، وخاصة المعنية مباشرة بالملف، فتتحرك – على ما يبدو – باتجاه تثبيت مبدأ اللجنة الفلسطينية الخالصة، ولو أن شكل هذا الإصرار ومقدار التوافق حوله ما يزالان غير محسومين.
التحدي هنا يكمن في صياغة موقف عربي قادر على موازنة الحساسية الأميركية مع تجنب أي فراغ يمكن أن تستغله الحكومة الإسرائيلية لفرض ترتيبات أحادية في قطاع غزة. وحتى اللحظة، يصعب الجزم بمدى قدرة هذا التوازن على الصمود أمام ضغط الأحداث المقبلة واتجاهات التحالفات الدولية.
حتى الآن، وعلى ضوء المؤشرات المتاحة، يبدو أن ملف الإدارة المدنية وإعادة الإعمار لم يدخل مرحلته الفعلية بعد. فالأولوية الدولية ما تزال تنصبّ على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهيار التفاهمات الهشة. ومن المرجّح أن تستمر هذه الحالة لفترة غير قصيرة، ما يؤدي إلى تأجيل الملفات الإدارية والسياسية، وربما إعادة طرحها بصيغ مختلفة لاحقا.
في هذا الإطار، قد تلعب اللجنة الدولية المساندة دورا فنيا مساعدا للفلسطينيين، لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا الدور سيبقى في حدود الدعم التقني أم سيتوسع إلى شكل من أشكال الإشراف الفعلي، وهو سيناريو قد لا يحظى بإجماع عربي أو فلسطيني كامل.
تحذير من تفكيك الشرعية الفلسطينية: قراءة في مخاطر مسار قد يتوسع
ثمة قراءة تتصاعد داخل المنطقة تحذّر من الانجرار وراء خطاب “نقد السلطة الفلسطينية” الذي تروّج له إسرائيل، إذ تُظهر المؤشرات أن الهدف قد يكون تفكيك الشرعية الفلسطينية تدريجيا، وليس مجرد الضغط الإصلاحي. فإضعاف السلطة يخلق:
- فراغا سياسيا،
- واضطرابات أمنية،
- وانهيارا إداريا يصعب إعادة ضبطه،
- ويجعل من الضفة ساحة انفجار واسعة.
في ضوء ذلك، يبدو أن عمّان تنظر إلى السلطة بوصفها ركيزة استقرار لا يمكن الاستغناء عنها، وأن دعمها – سياسيا ومؤسسيا – هو جزء من استراتيجية الحفاظ على مسار الدولة الفلسطينية.
نزع سلاح حماس: ملف معقد يفوق المعالجة التقنية
يمثل ملف نزع سلاح حماس أحد أكثر الملفات تعقيدا، ليس بسبب الجانب العسكري فقط، بل لأن مفهوم “السلاح” نفسه يتجاوز:
- الصواريخ،
- والبنية التصنيعية،
- ليشمل البنى التنظيمية والاجتماعية والشرعية السياسية.
وتبدو إسرائيل أكثر تركيزا على شبكة الأنفاق، باعتبارها الجزء الأكثر تهديدا في المنظومة العسكرية لحماس. لكن يبقى السؤال مفتوحا حول إمكانية إطلاق مشروع إعادة إعمار غزة في ظل حكومة إسرائيلية ما تزال تنظر إلى القطاع من زاوية العقاب لا التسوية.
وعلى الأرجح، لن يبدأ إعمار حقيقي دون:
- بيئة سياسية مختلفة،
- تفاهمات إقليمية،
- وضمانات دولية تضمن تحويل وقف النار من محطة تكتيكية إلى مسار استقرار طويل الأمد.
ثالثا: قراءة تقديرية لسلوك إسرائيل: الضغوط، المأزق الداخلي، ودوائر التصعيد
يُحتمل أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد دخل مرحلة وقف إطلاق النار تحت ضغوط سياسية وأمنية داخلية وخارجية، وربما على خلفية تقديرات داخل المؤسسة الأمنية تشكّك في جدوى استمرار العمليات العسكرية بالشكل السابق. ومع ذلك، قد يُستخدم الخطاب الحربي داخليا كأداة لامتصاص التوترات أو تأخير تفاقم الأزمات السياسية والشخصية التي تحيط بنتنياهو.
أما استمرار التوتر على جبهات أخرى – خصوصا لبنان – فقد يوحي بأن إسرائيل لا تُمانع إطالة زمن الاحتكاك ما دام ذلك يمنحها قدرة على التحكم في الإيقاع السياسي الداخلي، أو يتيح لها الضغط على خصومها الإقليميين. لكن من الصعب الجزم ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستبقى مجدية أو قابلة للاستمرار في الأشهر المقبلة.
في هذا السياق، تشير الاتجاهات الدولية خلال الأشهر الأخيرة إلى وجود تآكل واضح في المكانة السياسية لإسرائيل، وهو ما يمكن اعتباره – وفق تقديرات أولية – أحد أبرز التحولات الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب على غزة. فالعزلة التي تواجهها تل أبيب في المؤسسات الدولية، وارتفاع عدد الدول المؤيدة للاعتراف بفلسطين، يوحيان بأن المجال السياسي الذي كانت إسرائيل تتحرك فيه تاريخيا لم يعد بنفس السعة، خصوصا داخل أوروبا.
ومع ذلك، تبدو هذه المكاسب هشّة بطبيعتها؛ إذ يمكن أن تتراجع بسرعة إذا أعادت العواصم الغربية اصطفافاتها أو تغيّرت أولوياتها الأمنية. ولهذا، يرجّح أن يتطلب الأمر جهدا دبلوماسيا عربيا وأردنيا مستمرا لضمان عدم تبدّد هذا الزخم المفاجئ.
من جانب آخر، يُظهر التعامل الإسرائيلي مع مرحلة ما بعد 7 أكتوبر ميلا متزايدا نحو عقلية القلعة؛ وهي مقاربة قد تكون مفهومة من منظور أمني، لكنها – كما تشير بعض القراءات – تُعمّق حالة العزلة الدولية ولا تساعد على صياغة استراتيجية خروج من الأزمة. في المقابل، يوجّه الأردن خطابا أكثر انفتاحا نحو المجتمع الإسرائيلي، إدراكا منه أن التأثير على الرأي العام قد يكون مدخلا لتعديل مسار السياسات الحكومية، ولو تدريجيا. ومن المؤشرات المهمة هنا أن:
- نحو 54% من الإسرائيليين لا يرغبون باستمرار نتنياهو في منصبه،
- واليسار الإسرائيلي يعيش حالة تراجع تاريخي تكاد تشل قدرته على تقديم بديل سياسي فعّال.
هذا الوضع يفرض – على ما يبدو – إدارة مركبة للملف الإسرائيلي، تجمع بين:
- الانخراط الدبلوماسي،
- الضغط الرمزي،
- وإبقاء الباب مفتوحا أمام مسارات سياسية مستقبلية.
من جانب آخر، تُظهر استطلاعات الرأي واتجاهات الشارع في أوروبا والولايات المتحدة أن هناك فجوة متزايدة بين مواقف الحكومات الداعمة لإسرائيل وبين الرأي العام الذي يميل على نحو متزايد إلى رفض الحرب. لكن من الصعب الجزم بما إذا كانت هذه الفجوة ستتحول إلى ضغط سياسي فعلي على صانعي القرار، أم ستظل ضمن حدود التعبير الشعبي الذي لا يغير اتجاه السياسات سريعا.
مع ذلك، يمكن القول – على سبيل التقدير – إن هذا التحول يوفر نافذة مهمة للدبلوماسية العربية والأردنية تحديدا للانخراط في خطاب إنساني وحقوقي قادر على كسب تعاطف أوسع، ولو أن مدى تأثير هذه النافذة سيعتمد على تطورات الأحداث وسرعة تفاعل المؤسسات السياسية معها.
رابعا: الملف السوري: العمق الاستراتيجي وإدارة التوازن الإقليمي – قراءة تقديرية
تُظهر المؤشرات الأخيرة أن سوريا ما تزال تحتل موقعا محوريا في المقاربة الأردنية للأمن الإقليمي، بوصفها امتدادا طبيعيا للعمق الاستراتيجي للمملكة، وضمن سياق إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة. ومن الواضح أن عمّان تتعامل مع الملف السوري وفق رؤية ترى أن أي اهتزاز كبير في الداخل السوري قد ينعكس مباشرة على البيئة الأمنية الأردنية، سواء عبر موجات لجوء جديدة، أو انفلات أمني في الجنوب، أو توسع شبكات التهريب.
إدارة النظام السوري للجنوب: قراءة مفتوحة على الاحتمالات
تشير القراءة التحليلية إلى أن دمشق استطاعت خلال الفترة الماضية احتواء عدد من الملفات الحساسة، وخصوصا في الجنوب وفي السويداء تحديدا، بدرجات متفاوتة من النجاح. لكن لا يمكن الجزم بعد بما إذا كان هذا الاحتواء يعكس استقرارا طويل المدى أم مجرد تهدئة مؤقتة قابلة للاهتزاز في أي لحظة. فتجربة السنوات الماضية تُظهر أن الجنوب السوري قد يشهد موجات صعود وهبوط، ما يجعل الأردن يتعامل معه بمنطق الساحة القابلة للاشتعال عند أي خلل.
ينظر الأردن إلى الجنوب السوري بوصفه المجال الحيوي الأكثر حساسية، ليس فقط أمنيا بل سياسيا أيضا. ومن غير المستبعد أن أي توسع إسرائيلي في الجنوب – خصوصا في السويداء – قد يُقرأ في عمّان على أنه مسّ مباشر بالأمن الاستراتيجي الأردني. غير أن التقدير الأردني حتى اللحظة لا يميل إلى الاندفاع العسكري، بل إلى الالتزام بخط واضح: عدم إرسال قوات إلى سوريا إلا بطلب رسمي من دمشق وضمن غطاء دولي واضح.
هذا المبدأ يبدو جزءا من صياغة أردنية دقيقة تحاول من خلالها عمّان تجنب الدخول في معادلات قد تُفسَّر كمساس بالسيادة السورية أو كافتراض لدور أكبر مما تحتمله البيئة السياسية في دمشق.
القلق الأردني من التحركات الإسرائيلية: مساحة رمادية تتّسع
يتزايد في الأردن – وفق ما يُستشف من التحركات الدبلوماسية والتصريحات العامة – شعور بالقلق تجاه الأنشطة الإسرائيلية داخل العمق السوري، سواء كانت ضربات جوية أو تحركات تكتيكية متصلة بالصراع مع إيران وحلفائها. هذا القلق يتزامن مع استمرار عمليات تهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود، بوسائل تتطور باستمرار، تشمل الطائرات المسيّرة والبالونات الحرارية، وهو ما يجعل الحدود الشمالية ملفا مفتوحا على احتمالات تصعيد أمني في أي وقت.
من المرجّح أن عمّان تحاول موازنة الاستعداد لكل السيناريوهات من جهة، والإبقاء على قنوات التواصل مع دمشق ومع الأطراف الإقليمية والدولية من جهة أخرى، لتجنب أي تصعيد قد يتطور إلى مواجهة واسعة – وهي مواجهة قد يجد الأردن نفسه طرفا فيها بحكم الجغرافيا لا بحكم الرغبة.
الإصلاح السياسي في سوريا: معضلة السرعة والبطء
قد تُظهر قراءة المعهد أن مسار التحرك السياسي داخل سوريا يقف أمام معادلة صعبة:
- الاندفاع السريع قد يفتح الباب أمام اضطرابات أو صدامات داخلية،
- بينما البطء الشديد قد يسمح للفصائل المسلحة بالبقاء وتعميق نفوذها.
لذلك، تبدو الإدارة الأردنية للملف السوري متجهة نحو دعم خطوات تدريجية ومدروسة قد تمكّن مؤسسات الدولة السورية من استعادة حضورها بشكل تراكمي، دون التسبب بفراغ أمني أو انفجار سياسي.
في هذا السياق، تشير التحولات في العلاقات الأردنية–السورية إلى أن عمّان قد تستثمر بشكل أكبر في بناء القدرات المؤسساتية داخل سوريا كمسار موازٍ للدور الأمني. ويتضمن ذلك التدريب الدبلوماسي وتقوية الأجهزة الشرطية والدرك، بما في ذلك وحدات الشرطة النسائية. من منظور تقديري، قد تمثل هذه الخطوات محاولة لتعزيز الاستقرار من الخلف، أو الاستثمار في مؤسسات قادرة على احتواء التوترات مستقبلا، لكن مدى فعالية هذه الجهود سيعتمد على الظروف الداخلية السورية وقدرة النظام على ترجمة الدعم إلى إصلاح مؤسسي.
خامسا: الفواعل في الإقليم: قراءة تقديرية في اتجاهات التحالفات وموازين الاستجابة للأزمات
تشير التطورات الأخيرة إلى احتمال بروز توجّه عربي أكثر تماسكا في ظل الأزمات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، ويبدو أن التنسيق الأردني–السعودي يمثّل أحد أكثر المسارات استقرارا. فالمؤشرات المتاحة توحي بأن الرياض تحافظ على موقف صلب إزاء عدم المضي في أي ترتيبات تطبيعية قبل تبلور دولة فلسطينية مستقلة، وهو موقف قد يكون ساهم – أو ما يزال يساهم – في تشكيل حاجز سياسي أمام المبادرات التي تتجاوز الحقوق الفلسطينية. بالنسبة للأردن، قد يشكل هذا الاتجاه ركيزة داعمة لتحركاته الدبلوماسية في المرحلة المقبلة، رغم أن آفاق هذا التنسيق ستظل مرتبطة بالتحولات في المشهد الإقليمي والدولي.
أما الإمارات، فيبدو أنها تتحرك ضمن إطار الإجماع العربي على تثبيت وقف إطلاق النار ودعم السلطة الفلسطينية، لكن من المبكر الجزم بمدى قدرتها على التأثير في صياغة ترتيبات اليوم التالي، خاصة مع تباين حسابات القوى الكبرى. وفي المقابل، يبدو أن قطر تواصل أداء دور متقدم في الوساطات الإقليمية؛ غير أن قدرة الدوحة على الاستمرار في هذا الدور ستتوقف على ما إذا كانت الضغوط السياسية والإعلامية الموجهة ضدها ستتراجع أو ستتوسع مستقبلا. ومع ذلك، فإن تقاطع الموقف القطري مع الأردن في ضرورة الحفاظ على وحدة الضفة وغزة، قد يدفع نحو مزيد من التفاهمات العربية خلال الفترة المقبلة.
تشير المؤشرات إلى احتمال توسع مسار التعاون بين الأردن ومصر والعراق، وإن بقيت هذه الشراكة تواجه تقلبات مرتبطة بالوضع السياسي العراقي. فالزيادة الأخيرة في حجم التبادل التجاري بين عمّان وبغداد قد تكون بداية لمسار اقتصادي أوسع، لكنه سيظل عرضة للاضطرابات الناجمة عن تنازع النفوذ الداخلي في العراق. ومن المحتمل أن تظل مشاريع كأنبوب البصرة–العقبة في حالة “الاحتمال المعلّق”، أي قابلة للتقدم أو التجميد بحسب شكل التوازنات الإقليمية داخل العراق خلال الأشهر القادمة.
دور تركيا في الملف الغزّي قد يشهد توسعا أو انكماشا تبعا لطبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل وحركة حماس. فمن الممكن أن تعود أنقرة لتفعيل شبكاتها السابقة في مراحل معينة من الوساطة، لكن يبقى ذلك مرهونا بمدى قبول الفاعلين الإقليميين بهذا الدور.
خاتمة: إدارة الخسائر وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني
تركز القراءة الأردنية والعربية على ما يبدو على حماية خيار حلّ الدولتين، حتى إن كانت فرص تطبيقه القريب محدودة. ويبدو أن هناك إدراكا متناميا بأن هذا الخيار قد يتحول إلى مسار حماية سياسية أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ فورا.
في هذا السياق، قد يكون الهدف هو:
- كبح التوسع الاستيطاني،
- تخفيف الضغوط على السلطة الفلسطينية،
- والحفاظ على مكانتها كمرجعية سياسية شرعية.
لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه الجهود ستنجح في منع تآكل السلطة، أو في إيقاف التوجهات الإسرائيلية نحو فرض وقائع مغايرة على الأرض.
تشير القراءة الحالية إلى أن الأردن يتحرك في بيئة شديدة الحساسية، ما يجعله أقرب إلى إدارة التوازنات وتقليل الخسائر بدل السعي لتحقيق اختراقات كبيرة. ومن المحتمل أن يظل التركيز الأردني في الأسابيع المقبلة موجّها نحو منع تدهور الأوضاع الأمنية، خصوصا في الضفة الغربية التي تمسّ مباشرة المجال الحيوي للأمن الوطني.
قد ينظر الأردن إلى إعادة إعمار غزة باعتبارها مسارا سياسيا بقدر ما هو إنساني؛ فمن دون اتفاق سياسي واضح، قد يؤدي الإعمار إلى إعادة إنتاج الأسباب التي أدت إلى الصراع. ومن هنا يبدو أن عمّان ستستمر في رفض التهجير القسري للفلسطينيين لأنه يمسّ أمنها القومي، مع احتمالية أن يكون هذا الملف الأكثر حساسية خلال الفترة القادمة.
وفيما يخص دور الأردن، فمن المرجح أن يستمر في تقديم دعم إنساني وسياسي دون الانخراط في أدوار تتجاوز قدراته، خصوصا في ظل إدراكه أن إعادة النظام السياسي الفلسطيني إلى مسار مؤسسي يتطلب جهودا داخلية فلسطينية أولا، لا يمكن لأي طرف خارجي فرضها.
وعلى مستوى إعادة الإعمار، من غير المتوقع أن يتمكن أي طرف منفرد من قيادة العملية، مما يجعل التنسيق العربي والدولي شرطا أساسيا لتفادي نشوء فراغ جديد أو مسارات متعارضة. وفي هذا السياق، قد تزداد أهمية المبادرات المشتركة بين السعودية ومصر والأردن في صياغة رؤية عربية موحدة لليوم التالي.
من المحتمل أن تكون المرحلة الحالية قد فرضت على الأردن تحولا تكتيكيا في أدواته لا في مكانته، مع الاستمرار في الجمع بين التحرك العلني والاتصالات الهادئة خلف الكواليس. ورغم أن موقع الأردن الإقليمي يبدو أكثر تعقيدا مما كان عليه في السنوات الماضية، إلا أن أدواته الدبلوماسية ما تزال تمنحه مساحة مناورة كافية للبقاء فاعلا في ترتيبات غزة وما بعدها، خاصة مع مراعاة المصالح المصرية ذات الوزن الكبير في هذا الملف.
وتشير المعطيات إلى وجود مستوى متقدم من التنسيق العربي خلال الفترة الراهنة، قد يفتح الباب أمام إطار عمل إقليمي أكثر تماسكا إذا استمرت الظروف الحالية، لكن من المبكر الجزم بما إذا كان هذا التنسيق سيترجم إلى مبادرات سياسية مشتركة أم سيظل في حدود المشاورات.



