أخبار المعهدالحرب على غزةرئيسية

تقرير إعلامي: الحرب على غزة .. التداعيات الإقليمية وسؤال السيناريو القادم

بعد مرور أكثر من 80 يومًا من الحرب على غزة أو ما تعرف بأحداث “السابع من أكتوبر”، ما تزال التساؤلات تحوم حول تداعيات ذلك الحدث الذي بدا أنه يحمل الكثير من المتغيرات على الساحة الفلسطينية والصراع مع إسرائيل وعلى الساحة الإقليمية بشكل عام، فعلى ما يبدو أن المشهد في المنطقة ما قبل 7 أكتوبر ليس كما بعده، خاصة وأن هذه الأحداث خلقت مزيدًا من الأجواء الضبابية في المنطقة وعززت من حالة “اللايقين”.

قبيل الحرب على غزة، شهدت المنطقة حراكًا إقليميًّا لافتًا، كان أقرب إلى ترتيب جديد؛ فقد شهدت الآونة الأخيرة اتفاقًا سعوديًّا – إيرانيًّا برعاية صينية، وحوارًا سعوديًّا – إسرائيليًّا كان قد وصل إلى مرحلة متقدمة برعاية أمريكية، إلى جانب الإعلان عن مشاريع اقتصادية ضخمة كمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والخليج العربي وأوروبا، أشعرت أطراف إقليمية وفلسطينية أن المنطقة مقبلة على تصفية القضية الفلسطينية، إلا أن عملية “طوفان الأقصى” وما لحقها من حرب على قطاع غزة كانت كفيلة لخلط بعض الأوراق والتي قد تؤدي لإعادة ترتيب مشهد جديد.    

خلقت مشاهد الحرب التي خلّفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى تساؤلات وسيناريوهات متعلقة بمسارات الحرب الدائرة الآن ومستقبل قطاع غزة والضفة الغربية على صعيدي الجغرافيا والديموغرافيا في ظل التوقعات المتباينة حول نشوء أي عملية سلمية سياسية قادمة، إلى جانب تداعياتها ومدى تأثيرها على المحيط الإقليمي سياسيًّا وأمنيًّا، ودور اللاعبين الإقليميين سواء من الدول وتحديدًا الأكثر اشتباكًا بالقضية الفلسطينية أو قوى ما دون الدولة التي تشهد صعودًا لافتًا أمام دور الدولة الوطنية.    

وسط هذه التساؤلات المتراكمة والمشهد الديناميكي، عقد معهد السياسة والمجتمع بالشراكة مع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (برنامج الشرق الأوسط) ومركز عمران للدراسات الاستراتيجية ورشة عمل مغلقة في العاصمة الأردنية، عمّان، لمناقشة تداعيات الحرب ومآلاتها على المشهد الفلسطيني وعلى المشهد الإقليمي والسيناريوهات المقبلة. ضمّت الورشة عددًا من الباحثين والخبراء العرب، ويستعرض التقرير أهم ما جاء فيه من آراء واتجاهات.     

التداعيات على صعيد المشهد الفلسطيني

وضعت أحداث السابع من أكتوبر الجميع في صدمة أمام مشهد كبير لم يكن في الحسبان، فبدا أن إسرائيل التي كانت وماتزال تواجه أزمة داخلية وُضعت في مأزق عسكري حاد رغم محاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحويله إلى فرصة رغم الاختراق العسكري ومرور أكثر من شهرين على بدء العمليات. ولم ينحصر المأزق بالجانب الإسرائيلي فحسب بل شمل أكثر الأطراف المعنية وهم الفلسطينيون الذين يواجهون مستقبلًا بدا على المحك مع طرح سيناريوهات لطالما كانت في خانة الاستبعاد، إلى جانب الأطراف العربية الأكثر اشتباكًا وانخراطًا في الشأن الفلسطيني.

  • آفاق العملية السلمية

أمام استمرار العمليات الجوية والبرية الإسرائيلية والتي يرافقها حتى الآن غطاء سياسي أمريكي وغربي، فإن فرص الحديث عن أي عملية سلمية سياسية قادمة تتضاءل؛ فالعملية السياسية الجادة، بحسب مشاركين، يجب أن تتوافر على الأقل 3 عناصر منها:

  1. أن تعلن الولايات المتحدة، أو الطرف الذي يقود العملية السياسية، أن الهدف النهائي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة زمنية محددة. 
  2. أن تأخذ الأمم المتحدة قرارها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية من الآن وقبل بدء المفاوضات، على أساس حدود 1967.
  3. إذا ما تم تحقيق هذه الخطوات، يتم الحديث عن الخطوات الواجب اتخاذها للوصول إلى الأهداف.

لكن على ما يبدو أن الولايات المتحدة نفسها غير جادة ولا تسعى إلى القيام بهذه العملية؛ خاصة مع قرب دخولها في السنة انتخابية وبالتالي لا تريد إظهار أي ضغط على إسرائيل، ولا ترغب الإدارة الديمقراطية إظهار أي تباين بينها وبين الحزب الجمهوري في دعم تل أبيب، هذا من جانب. والجانب الآخر، أن إسرائيل لا تسعى إلى خلق انقسام جديد بين قواها السياسية، رغم أن حدود الانقسام منحصرة في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتحالفه الحاكم وليس فيما يتعلق بإنهاء الاحتلال واقتطاع الأراضي الفلسطيني. بالإضافة إلى أن قيادة فلسطينية تحظى بشرعية هو عنصر غير متوفر أيضًا، وأي قيادة فلسطينية ستحظى بالشرعية يجب أن تأتي عن طريق الانتخابات، ويبدو أن السلطة الفلسطينية، بحسب مشاركين، لا ترغب بإجرائها.    

  • سيناريو التهجير

أمام تصاعد وتيرة الحرب في قطاع غزة ومستقبلها المجهول في ظل ضبابية المشهد العسكري والحلول السياسية المطروحة واشتداد القصف الإسرائيلي على المناطق السكانية في غزة، يرى مشاركون أن سيناريو التهجير مطروح وبقوة اليوم لسكان قطاع غزة، في ظل وجود سياسات واضحة لخلق واقع على الأرض يُفقد الفلسطينيين الأمل في الصمود، بدأت منذ فرض الحصار على غزة وصولًا إلى الأوضاع الإنسانية المزرية، إلى جانب المسار العسكري الذي تتبعه إسرائيل والذي، بحسب ما كان من توقعات أنه سيكتفي بالسيطرة على أراضي شمال القطاع، لكن الواقع يشير إلى أن عمليات الجيش الإسرائيلي وصلت اليوم إلى منطقة خان يونس الواقعة جنوبي القطاع وتقصف مدينة رفح الحدودية، وهو ما يرفع من مؤشر سيناريو التهجير رغم أن دولًا عربية على رأسها مصر والأردن وضعتا هذا الملف على الخارطة الدولية لكن الحقائق التي من الممكن أن تقع على الأرض قد تفرض وقائع جديدة في ظل تأزم الوضع الإنساني وإعلان دول عربية استعدادها لتقديم استثمارات لإحياء مناطق في سيناء المصرية لتستقبل المهجّرين من القطاع أو تفتح باب التشغيل أمامهم.

بينما يرى اتجاه آخر من المشاركين، أن سيناريو التهجير رغم حضوره لكن ما يزال غير مرجح، انطلاقًا من عدة عوامل؛ أولها، الصمود الفلسطيني وتجربة النكبة التي جعلت من الفلسطينيين متمسكين بالأرض، وهو ما أثبتته الهدنة بين حماس وإسرائيل التي شهدت محاولات عودة من الغزيين إلى شمال القطاع رغم الدمار الذي لحق بتلك المناطق. ثانيًا، الموقف الأمريكي الرسمي “المعلن” الرافض للتهجير والراغب بتوحيد سلطتي الضفة الغربية وغزة. ثالثًا، الرفض القاطع من الجانب المصري لأي سيناريو يدعو إلى التهجير باعتباره مصدر تهديد للأمنه القومي، ورغم وجود ظواهر تهريب هنالك فرق بين الأفراد أو الأسلحة التي شهدتها الحدود المصرية مع القطاع لا يمكن تفسير ذلك بأنه دلالة على قبول سياسي.

لا ينحصر سيناريو التهجير في غزة، بل قد يمتد إلى الضفة الغربية، وهو ما يفسر الموقف الأردني الذي عدّ التهجير بمثابة “إعلان حرب”. قد لا تكون ظروف التهجير مهيأة تمامًا في الضفة الغربية (على مستوى جماعي)، لكن من وجهة نظر مشاركين هذا لا يمنع من احتمالية أن تقوم إسرائيل بخلق هذه الظروف مستقبلًا؛ فالجانب الإسرائيلي الذي يجد نفسه أمام المطالبات بإقامة دولة فلسطينية وأمام الأغلبية الديموغرافية للفلسطينيين، قد يسعى لإخلاء تلك المناطق وخلق ظروف إنسانية، وما شهدته وتشهده أراضي الضفة من قضم للأراضي وتوسع رقعة الاستيطان وتسليح المستوطنين مؤخرًا، إلى جانب الوضع الاقتصادي والاجتماعي في ظل عجز السلطة في رام الله عن دفع جميع معاشات الموظفين، واستمرار التنسيق الأمني وموجة الاعتقالات، كل تلك الظروف ترفع من احتمالية التهجير الطوعي على الأقل.

  • فلسطينيو  1948

لربما واحدة من أهم نتائج النكبة التي واجهت الشعب الفلسطيني هو التجزئة وغياب القيادة والمشروع السياسي الموحدين، وبالتالي أدى هذا الأمر بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى تغييب فلسطينيي الداخل الإسرائيلي أو ما يعرف بـ “فلسطينيي 48″، وملفهم الذي يعد أكثر الملفات المعقدة على الساحة الفلسطينية، رغم أنهم يمثلون 20% من المجتمع الإسرائيلي. إلا أن هذه الكتلة الوازنة لم تكن بمعزل عن تداعيات وتأثيرات الحرب على غزة على صعيد الإجراءات الإسرائيلية من السلطة والمجتمع وعلى صعيد تجدد أزمة عميقة في سؤال الهوية الذي يبرز في كل مرة مع تجدد التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

تطبق الحكومة الإسرائيلية العديد من الإجراءات الأمنية والاعتقالات بحق فلسطينيي الداخل، إلى جانب فصل العديد منهم من الوظائف وطرد مئات الطلبة من الجامعات، إلى جانب الضغط المتزايد من قبل المجتمع الإسرائيلي الذي يتهم فلسطينيي 48 بالتواطؤ والوقوف إلى جانب حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى. مثلت هذه الأسباب مجتمعة غياب أي حراك جماهيري وسط الإجراءات الإسرائيلية المشددة التي لم يغب عنها بعض البيانات السياسية من الأحزاب الممثلة للفلسطينيين، إلا أن هنالك إدراك شديد من قبل بأن اليمين الإسرائيلي يسعى في نهاية المطاف إلى تهجيرهم على خطى تلك المشاريع التي يريد تطبيقها في غزة والضفة الغربية، مع تزايد إجراءات التمييز والفصل العنصري الممارس بحقهم واعتبارهم مواطنين من الدرجات الدنيا في المجتمع الإسرائيلي.

تتصاعد حالة الإحباط لدى فلسطينيي 1948 في ظل غياب أي أفق لعملية سياسية سلمية وغياب مشروع سياسي فلسطيني موحد، وعدم شمولهم عند الحديث عن أي حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، ما يجعلهم في مواجهة مزيد من الخطر الوجودي داخل أراضيهم في ظل حملات التعبئة الكبيرة التي يعيشها الشعب الإسرائيلي من قبل السلطات الرسمية والقوى السياسية والمجتمع خلال الحرب الدائرة اليوم وشمول فلسطينيي 48 بتلك الحملات. 

التداعيات على صعيد المشهد الإقليمي

لربما أدت أحداث السابع من أكتوبر إلى تسجيل بعض الظواهر التي تتطلب مزيدًا من التعمق في تتبعها ودراسة ما بعد الحرب على غزة على افتراض أن تغييرًا سيطرأ على بعض المعادلات التي كانت قائمة قبل ذلك التاريخ، سواء على صعيد الدول أو فواعل ما دون الدولة التي يشهد دورها صعودًا مستمرًا مقابل حالة من الضعف تعتري الدولة الوطنية في العالم العربي.

إحدى الظواهر الإقليمية هو انكشاف طبيعة الأدوار الإيرانية ومدى فاعليتها، وهو ما دفع بعض المشاركين للحديث عن زعزعة واضحة لما يُعرف بـ “وحدة الساحات”، في ظل حالة من ضبط النفس التي تتبعها إيران التي لطالما كانت تدفع بمحور الممانعة إلى الأمام جيو استراتيجيًّا، وفتح حزب الله جبهة “تضامنية” ما تزال محدودة لم تخرج عن قواعد الاشتباك المحدود رغم تصاعد وتيرة الحرب، ما أثار تساؤلات وشكوك حول إذا ما كانت الحسابات مشتركة فعلًا، إلا أن مستقبل المحور يوحي بالبقاء ويجتذب مزيدًا من الشعبية في الشارع العربي في ظل تصدع الموقف الرسمي العربي.

على صعيد المنطقة العربية، لا بد من تقسيمها خلال الحرب على غزة إلى ثلاثة؛ أ) إقليم الخليج العربي، والذي لديه مدخل مغاير في قراءته لما يحدث، ولربما يبحث عن ترتيب إقليمي جديد وممارسة أدوار جديدة، ونظرة تهمش الحلول السياسية التقليدية للقضية الفلسطينية نظير ما كان مطروحًا من قبل من تسويات اقتصادية ومعيشية.

ب) إقليم المغرب العربي، وهو مكون دول منقسمة ما بين خطاب شعبوي كالحالة التونسية وخطاب شعبوي مغاير للحالة الجزائرية، وحالة أشبه من الصمت التام من جانب المغرب.، رغم أن الأخيرة تقليديًّا لم تصمت في هكذا حالات مشابهة من قبل.

ج) الإقليم المتأثر بشكل مباشر بالقضية الفلسطينية، وهنا الحديث عن مصر والأردن اللتان تتحدثان عن خطر يمس أمنهما القومي، والمعادلة المعقدة في لبنان وسوريا ومن ثم العراق نتيجة تعدد الأطراف وتشظي الجبهات الداخلية نتيجة صعود جماعات ما دون الدولة سواء من الفاعلين اللادولتيين Non -State Actors أو نصف الدولاتيين Semi-State Actors على حساب دور وحضور الدولة الوطنية.

  • الأردن

ليست المرة الأولى التي يصعّد فيها الأردن خطابه الدبلوماسي والسياسي ضد الحرب الإسرائيلية على غزة، ويدعو إلى وقف إطلاق النار، ويدين العمليات العسكرية، ففي حروب سابقة ضد غزة حدث الأمر نفسه، لكن هذه المرة برزت اللغة الأردنية أكثر صلابة وأشدّ تنديداً بما تقوم به إسرائيل، وتشهد تصعيداً كبيراً من قبل الملك نفسه، ووزير الخارجية، أيمن الصفدي، الذي يقوم بحراك مستمر ويقدم خطاباً غير مسبوق (أردنيًّا) في المجابهة الدبلوماسية مع إسرائيل، وكان له دور مهم في صياغة قرار الأمم المتحدة (رقم A/ES-10/L.25)، الذي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار. كما استدعت وزارة الخارجية الأردنية سفيرها من تل أبيب، وطلبت من السفير الإسرائيلي عدم العودة إلى الأردن، وجعلت عودة السفراء مشروطة بانتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، وأعلن الأردن بأنّه قام بإلغاء القمة (التي كان من المفترض أن تعقد بعمان 18/10/2023 مع الرئيس الأميركي بايدن، وبحضور الرئيسين المصري والفلسطيني) بسبب مجزرة المستشفى المعمداني.

في الأثناء كان التركيز الأردني على قضية التهجير القسري للفلسطينيين، إذ أعلن الملك ووزير الخارجية الرفض المطلق لأي سيناريو تهجير للفلسطينيين إلى سيناء، لكن الخطاب الأردني أضاف إلى ذلك والضفة الغربية، التي لا تدخل بصورة مباشرة ضمن  الحرب الدائرة الآن، لكن من الواضح أنّ هنالك قراءة استراتيجية أردنيّة لمشروع إسرائيلي يستهدف القيام بعملية تهجير قسري لسكان الضفة الغربية للأردن، واعتبر الأردن أنّ ما يحدث في غزة هو بمثابة تحضير وتمهيد لملف الضفة الغربية، الذي يمثّل العبء الديمغرافي الفلسطيني فيه مسألة أكثر أهمية للإسرائيليين ومحاولاتهم المستمرة في التخلص من الفلسطينيين والسيطرة على كامل الضفة الغربية وإلغاء أيّ أمل في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.

لكن هذه الأحداث والمواقف طرحت أسئلة من قبل مشاركين، حول مستقبل العلاقة الأردنية – الإسرائيلية بعد الحرب، والصيغة التي سيدير فيها الأردن الرسمي العلاقة مع إسرائيل، خاصةً بعد التصعيد الذي قاده الملك بنفسه ووصفه لما تقوم به إسرائيل بـ “الإبادة الجماعية”، وتصريحات الملكة التي كانت قد وصفت إسرائيل بدولة فصل عنصري (أبرتهايد)، إلى جانب المواقف الرسمية التي يدلي بها كل من رئيس الوزراء ونائبه وزير الخارجية، والتداعيات المحتملة على الأردن في ظل ارتفاع وتيرة التوتر واستمرار الحرب. ومن أبرز تلك الأسئلة:

هل سيبقي الأردن على موقفه الحاد والصريح؟ وإن لم يبقِ فكيف سيتراجع عنه؟ على افتراض أن العلاقة الأمنية ستستمر. وإذا ما بقي الأردن على موقفه الحالي كيف سيدير العلاقة مع الولايات المتحدة؟

ماذا لو تحقق سيناريو التهجير من الضفة الغربية؟ هل سيمنع الأردن دخول الفلسطينيين القادمين من هناك؟ على افتراض أنه إذا لم يمنع دخولهم فسيكون قد ساهم في تصفية القضية الفلسطينية، وإذا منع دخولهم فهو أمام سؤال أخلاقي واعتبارات إنسانية فرضتها الحرب. 

رأى مشاركون أن هذه الأسئلة لا يستطيع الأردن الرسمي لوحده التفكير بها ولا يستطيع اتخاذ القرار بمفرده؛ فالأمر يتطلب حوارًا وطنيًّا، من خلال لجنة على شاكلة لجنة الميثاق الوطني تشمل جميع الفئات في البلاد ويكون القرار وطنيًّا ويوضح ماهية التكلفة ولا يحمل المسؤولية إلى جهة معينة.

  • مصر

لربما أن علاقة مصر بقطاع غزة تختلف عن علاقتها بعموم الأراضي الفلسطينية، فالقطاع يعد قضية أمن قومي سواء لدى الحكومات المصرية المتعاقبة أو  المؤسسات الدولة المعينة بصناعة القرار الرسمي مثل رئاسة الجمهورية والمؤسستين العسكرية والأمنية. ورغم أن التواصل المجتمعي المصري – الغزي أشبه بالغائب إلا أن هنالك علاقات تاريخية وعلاقات سياسية عميقة وفي أحيان كثيرة متوترة، كالعلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، لكن السؤال الأساسي هو كيف يقرأ صانع القرار المصري ما يحدث من جولات صراع بين حماس وإسرائيل والتفاوض المصري والتسويات والمساعدات الإنسانية، وفي ظل الحديث من قبل بعض المشاركين أن مصر كانت تجهز مناطق في سيناء قبل الحرب لبناء مناطق صناعية واستثمارية وسياحية بدعم دول عربية خليجية لاستقطاب الغزيين (للتشغيل) من منطلق البطالة المنتشرة في القطاع وتردي الأوضاع الاقتصادية. يرى اتجاه آخر من المشاركين، أن مصر تدير أزمة وليست في أزمة، وسيناريو التهجير مرفوض مصريًّا، ولربما الظواهر التي تشهدها الحدود المأزومة في المنطقة الحدودية مع غزة من عمليات تهريب لبعض الأسلحة والأفراد، لا تعني بالضرورة أن يتحول الأمر إلى إرادة سياسية وقبول سياسي لسيناريو التهجير. إلا أن التصعيد المستمر في جنوب غزة وتحديدًا في رفح يرفع الضغوط على خط الحدود المصرية، وستواجه حينها مصر سؤال التعامل مع تجمعات كبيرة على حدودها من خلال خطة استباقية. 

الأمر الآخر، أمام غياب الحديث عن اليوم التالي للحرب على غزة، وتكرس حالة “اللا شيء” التي تعني امتداد الحالة القائمة من التوتر والعنف والداء والدماء ومحدودية المساعدات الإنسانية، قد تواجه مصر وفقًا لقراءتها لأمنها القومي نموذج أشبه بأفغانستان على حدودها لما قد تؤديه الأوضاع إلى ارتفاع عمليات تهريب البضائع والأسلحة عدا عن الموجة الراديكالية المرشحة للظهور، في حين كانت مصر قد حسمت الصراع مع المجموعات المتطرفة المسلحة في سيناء مما قد تؤدي الأوضاع إلى استعادة الخطر مرة أخرى.

على صعيد الدبلوماسية والسياسة الخارجية المصرية، تنظر مصر لغزة أيضا باعتبارها فرصة لدبلوماسيتها لصناعة دور مصري بعد التغييب الممنهج للقضية الفلسطينية الذي انعكس بالسلب على دور القاهرة إقليميًّا أدى إلى تراجع ملحوظ أمام صعود الذي شهدته دول عربية خليجية في دورها الإقليمي “على حساب الدور المصري”. ولربما قد يسعى صانع القرار لإعادة هذا الدور عبر بوابة الحرب الحالية من خلال ممارسة دور دبلوماسي أكثر فاعلية.

على صعيد الموقف الشعبي، لم تتشكل حالة تماهٍ شعبية كالتي تشكلت في دول أخرى، رغم أن الموقف الرسمي قريب للغاية من الموقف الشعبي، بل قد يعبر عنه، فما تشهده الساحة الشعبية هو اهتمام بالحالة الفلسطينية والغزيّة ولكنه اهتمام غير مصحوب بفعل في المساحة العامة، ولربما مرد ذلك لعموم الحالة السياسية والاقتصادية التي تعيشها الحالة المصرية، لكن ذلك لا يمكن اعتباره إشارة إلى انفصال بين الموقف الرسمي والشعبي.

حول جهود الحل، ترفض مصر وجود قوات دولية أو قوات متعددة الجنسية عربية أو دولية، وترحب بعودة السلطة الفلسطينية لحكم قطاع غزة من خلال إجراءين؛ الأول التشجيع على انعقاد الانتخابات التشريعية والرئاسية على المدى القريب، والأمر الآخر إطلاق حوار وطني فلسطيني للتوافق حول رؤية فلسطينية من خلال التواصل مع السلطة الفلسطينية وحركة حماس والأطراف الفلسطينية الأخرى الفاعلة، بحيث ينتج ذلك عن إدخال وإدماج للصوت الفلسطيني في معادلات يتم مناقشتها على الصعيد الإقليمي.

  • سوريا

شهدت الأراضي السورية منذ بداية الأحداث شن الطيران الإسرائيلي والتحالف الدولي عددًا من الهجمات على مواقع حيوية يقول أنها تابعة للحرس الثوري الإيراني، كما شهد القصف استهداف مطارات مدنية في دمشق وحلب أخرجتها عن الخدمة، وفي المقابل تعد سوريا أيضًا منصة لهجمات تشنها فصائل مسلحة على القواعد الأمريكية في سوريا وإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل.

مواقف الأطراف السورية من الحرب على غزة متفاوتة، من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شرق وشمال شرق سوريا التي أدانت حماس في 7 أكتوبر. فيما أصدرت المعارضة السياسية كهيئة المفاوضات والإئتلاف الوطني السوري، والحكومة المؤقتة في شمال غرب سورية، بيانات تضامن متفرقة  للتضامن مع غزة والضحايا المدنيين، مع التأكيد على مبادرة السلام العربية (2002) وتجنُّب ذكر حركة حماس. أما هيئة تحرير الشام التي تسيطر على إدلب كانت الأكثر تفاعلًا وقادت حملات تبرع في سياق استغلالها للحرب في سرديتها محتفيةً بعملية “طوفان الأقصى” وحركة حماس معتبرةً إياه نموذجاً  في “تجديد أساليب المواجهة”.

في دمشق، وبالتوازي مع تصعيد النظام لخطابه السياسي ضد إسرائيل وتوظيف الحرب في سرديته، التي تعتبر المؤامرة ومعاداة الغرب عنصرين رئيسيي فيها، تجنَّب النظام أي تحرك فعلي على أرض الواقع نظراً لكون سيناريو توسع الحرب إقليمياً ليس في صالحه نهائياً.  كما لم يسجل النظام تحفظاً على بيان القمة العربية-الاستثنائية على غرار تونس والعراق والجزائر، مع احتفاظها بتصعيد على مستوى الخطاب، كأحد أركان “محور المقاومة”.

على صعيد التداعيات، قد تنتج الحرب عن توسع التطبيع العربي مع سوريا والتواصل معه بهدف تحييده عن الصراع، خاصة وأن العلاقات السورية – العربية قد شهدت تطورًا مثيرًا مؤخرًا بعد أن عينت دمشق مؤخرًا سفيرًا لها في الرياض.  

لكن في ظل استمرار الحرب، فإن المشهد في سوريا مرشح لمزيد من التشظي، وتصاعد وتيرة التحديات للأمن داخل سوريا في ظل تراجع الملف السوري عن سلم الأولويات الدولية والإقليمية، وتزاحم الفواعل الدولية والإقليمية المنخرطة في المشهد والتي تمتلك مصالح مختلفة، وتجذُر دور فواعل ما دون الدولة، المحلية منها والأجنبية، مما يعزز من حالة الاستعصاء وغياب أفق الحل.

  • لبنان

منذ بداية الحرب، كان الحديث جاريًّا عن احتمالات توسّعها على النطاق الإقليمي أو بقائها محصورة في نطاق قطاع غزة والأراضي الفلسطينية بشكل عام، وكان من إحدى هذه المحددات هي الجبهة اللبنانية التي يبرز فيها حزب الله كلاعب أساسي يحدد اتجاهات الحرب.

على صعيد الجبهة الداخلية اللبنانية، هنالك رفض عام للتوسع وربط الجبهة اللبنانية بما يحصل في قطاع غزة؛ فلبنان على مدى السنوات الماضية يعيش أزمة اقتصادية ومالية خانقة، وحجم الاقتصاد اللبناني يمر في مرحلة تقلص كبيرة نتيجة الحرب الدائرة اليوم خاصة بعد الأضرار التي أصابت قطاع السياحة المؤثر على حجم الأيدي العاملة والذي يوفر -قطاع السياحة- نافذة للبنان لدخول العلات الأجنبية. إلى جانب ذلك، الأضرار التي نتجت في القطاع الزراعي بعد تدمير عشرات الآلاف من أشجار الزيتون، وشكلت هذه الأضرار نزوح قرابة 20 ألف مزارع من تلك المناطق يطالبون اليوم بتعويضات.

لربما أن الحرب ومسارها مرتبطان بشكل أساسي بالشق السياسي الداخلي في لبنان، فالاشتباك اليوم على مستوى لبنان والحرب الدائرة في الجنوب تبدو محدودة حتى الآن في نطاقها الجغرافي، وعلى ما يبدو أنها محدودة برغبة من حزب الله أيضًا بعدم إلحاق خسائر كبيرة بالجانب الإسرائيلي لما له من تكلفة وتداعيات على الحزب رغم فارق عدد الضحايا الكبير الذي تكبده الحزب مقابل عدد القتلى الإسرائيليين.

في مقابل ذلك، تشترط إسرائيل اليوم تعديل قرار مجلس الأمن 1701 لعام 2006 لمنح القوة الدولية في جنوب نهر الليطاني حرية الحركة دون تنسيق مع الجيش اللبناني. إلى جانب ذلك فالمؤشرات تقود إلى إمكانية أن تقوم إسرائيل بعمليات عسكرية على الجبهة اللبنانية ضمن قواعد اشتباك جديدة لم تكن قائمة قبل 7 أكتوبر، وإن التزم حزب الله بوقف إطلاق النار. وبالتالي فإن التساؤلات التي تُطرح اليوم خاصة في ظل الحديث عن احتمالات حرب طويلة، هو كيفية تعاطي حزب الله مع هذا السيناريو، وما إن كان سيبقي على دوره كجبهة تضامنية وضمن النطاق الجغرافي القائم حاليًّا أم سيصعّد إذا ما تراجعت حركة حماس إلى جنوب قطاع غزة بشكل كامل وهُزمت في شمال القطاع وتقلصت قدراتها لتوجيه الضربات للجانب الإسرائيلي. 

ما كان لافتًا في لبنان، إعادة إحياء دور حركة حماس في الخارج ما بعد حرب غزة، ومحاولتها لممارسة أنشطة في خارج الأراضي الفلسطينية وخارج المخيمات الفلسطينية في لبنان تحديدًا، عبر استثمار التحول في الرأي العام حيال المقاومة الفلسطينية، وهذا يشمل الرقعة العربية ككل ومن ضمنها لبنان، أو على الأقل جزء من سكانها ومجتمعاتها المختلفة ومحاولة تشكيل حالة إسلامية خارج الإطار الفلسطيني محورها الأساسي مقاومة إسرائيل وليس العمل الدعوي أو مواجهة الأنظمة العربية. بالإضافة إلى الهيمنة التي أحدثتها حركة حماس على الجماعة الإسلامية اللبنانية التابعة لمدرسة الإخوان المسلمين وإعادة تسليحها وإعادة إطلاق جناحها العسكري ومشاركتها بعمليات عسكرية، وبالتالي استطاعت عبر هذه الخطوات إدخال خطاب المقاومة ضمن إطار المجتمع السني في لبنان.

  • العراق

منذ أحداث 7 أكتوبر، تفاعل العراق الرسمي والشعبي والفصائلي مع هذه الأحداث بصورة كبيرة، وتوزعت ردود الأفعال ما بين الجهود الدبلوماسية والخطابات التي ألقاها ممثلو العراق في المحافل العربية والدولية وما بين المظاهرات التي شهدتها عدد من المدن والجامعات العراقية، إلى جانب القصف الذي قادته فصائل مسلحة على قواعد تحتضن قوات أمريكية بعضها بمهمات استشارية تابعة للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة “داعش” في مناطق ومدن عراقية وسورية، واستهداف السفارة الأمريكية في بغداد الذي وصفه رئيس الوزراء العراقي بـ “الإرهابي”.

بدأت الفصائل العراقية باستهداف القواعد الأمريكية، بعد مرور قرابة 10 أيام من أحداث 7 أكتوبر، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة كردة فعل على أحداث المستشفى المعمداني و ردّ على دعم واشنطن لتل أبيب في الحرب على غزة. وبعيدًا عن أن هذه الهجمات لم تسفر -حتى الآن-  عن سوى جرح عشرات من الجنود عاد معظمهم إلى الخدمة، إلا أن القوات الأمريكية ردت باستهداف مواقع للفصائل أدت لمقتل أكثر من عشرة عناصر وجرح عشرات، وهو ما وضع حكومة محمد شياع السوداني في اختبار صعب أمام معادلة  فشل في حلّها أسلافه وهو خلق معادلة توازن بين مصالح الفصائل وبين مصالح العراق في علاقاته الخارجية.

انقسم موقف الفصائل المسلحة في العراق، بين من اكتفى بالتحشيد الدعائي والإعلامي وبين من انخرط بالهجوم العسكري على القواعد العسكرية المحتضنة للقوات الأمريكية عبر المسيرات والصواريخ واستهداف سفارة واشنطن لبغداد. من المثير للانتباه أن الفصائل المسلحة التي تبنت التحشيد الدعائي والإعلامي هي أكثر انخراطًا في العملية السياسية وجزء من التحالف الحاكم في العراق كمنظمة بدر وعصائب أهل الحق، بل كان من الواضح عبر مواقفها وشروطها التعجيزية للانخراط في النشاط العسكري أنها لا ترغب في تصعيد الموقف، نظرًا لاعتبارات داخلية عديدة منها الحفاظ على المكتسبات السياسية التي حققتها من حكومة السوداني والحفاظ على المصالح الاقتصادية في ظل أزمة الدولار التي تواجه العراق إلى جانب معركتها الدائرة في انتخابات مجالس المحافظات المنعقدة في 18 ديسمبر/كانون أول الجاري، بل ورأت في بداية الأزمة الدعوة إلى المظاهرات على الحدود العراقية – الأردنية مخرجًا كنوع من التبرير الأخلاقي أمام جماهيرها، رغم وجود جبهات أخرى مفتوحة أمامها باتجاه فلسطين.

على الجانب المقابل فإن أبرز الفصائل التي اختارت المواجهة، غير أو أقل انخراطًا في التحالف الحاكم، كحزب الله النجباء، وإن كان بعضها يمتلك عددًا من النواب في البرلمان العراقي، ككتائب حزب الله العراق، إلا أن لديها رصيد كبير من النشاط المسلح العابر للحدود ومصالح اقتصادية واسعة في العراق لكنها لا تسعى بطبيعة الحال لمكاسب سياسية كتلك. هذا الانقسام في ردود الأفعال خلق أسئلة أثارت أجواءً مشحونة بين الفصائل المسلحة حول هوية “المقاومة” في العراق ومن يمثلها، حتى وصل الأمر حد التراشق الإعلامي بين هذه الفصائل وإن لم يكن بعبارات صريحة يذكر كل طرف منهما الآخر، ودفعت بقيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق للتلميح بطريقة غير مباشرة إلى أن ضربات الفصائل المسلحة دون جدوى!

تضع هذه الأحداث حكومة السوداني على مفترق طرق، فأمام المشهد السياسي المحموم يواجه اليوم خطر عدم القدرة على ضبط إيقاع المشهد الأمني وتوسع رقعة الصراع، وهذه معضلة متكررة لا تختلف عن تلك التي واجهها سابقوه. إلا أن هذه المعضلة كانت في العام الأول من تولي محمد شياع السوداني قد توقفت مرحليًّا في سياق براغماتية مارستها الفصائل كونها منخرطة في التحالف الحاكم وأرادت ألا تتأثر مكتسباتها، والتركيز على التنافس الداخلي بينها وبين القوى الشيعية الأخرى كالتيار الصدري.

لكن في المحصلة ما يزال العراق يواجه إشكالية اندماج الفصائل المسلحة في أجهزة الأمن الرسمية وحصر سلاحها بيد الدولة؛ فالفصائل المنخرطة وغير المنخرطة أو المنخرطة جزئيًّا في العملية السياسية لم تستطع حتى الآن ممارسة سلوك الدولة، بل سلوكها المهادن مرحليًّا قد ينقلب في أي لحظة فيما لو تزعزت أي من هذه المكتسبات وغير مستعدة حتى الآن للتخلي عن سلاحها أو العمل ضمن إطار الدولة.

الخاتمة

خلقت أحداث السابع من أكتوبر مشهدًا ضبابيًّا على صعيد مستقبل القضية الفلسطينية، ورؤية غير واضحة الملامح للمستقبل الإقليمي. من اللافت أن الحديث عن عملية سلمية في ظل مجريات الحرب والنوايا الإسرائيلية حديث سابق لأوانه، خاصة وأن أحد أهم أهداف إسرائيل اليوم من خلال عمليتها العسكرية استعادة الردع Restoring deterrence كعامل مهم وأساسي في مسألة أمنها القومي وعدم رغبتها للانخراط في تفاهمات من هذا النوع وحسم الصراع، يترافق مع ذلك غياب الرغبة الجادة من الجانب الأمريكي لتغيير الموقف جذريًّا إزاء الحرب ومناكفة الجانب الإسرائيلي أو الاتجاه نحو عملية سلمية في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية، والظرف الفلسطيني غير جاهز للدخول في هكذا عملية في ظل حالة التآكل التي تمر بها شرعية السلطة الفلسطينية الحالية وغياب رؤية موحدة للأطراف الفلسطينية، إلى جانب عدم وجود أي إصرار عربي لإيجاد حل سياسي سلمي للفلسطينيين. 

ما يزال سيناريو التهجير قائمًا رغم دروس النكبة ورفض مصر والأردن القاطع، إلا أن إسرائيل تعمد حتى الآن إلى خلق ظرف إنساني قد يجبر الفلسطينيين للاتجاه إلى هذا الخيار، وبالتالي بقاء كتلة بشرية وازنة داخل القطاع أو خروجها قد يحدد اتجاهات مستقبل القضية الفلسطينية. إلا أن السيناريو المرجح حتى الآن هو استمرار الصراع والتوتر الدائر في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية واستمرار الفصائل الفلسطينية بالدفاع في ظل وجود كتلة سكانية ضخمة.

على الصعيد الإقليمي، يتباين مستوى تأثير الحرب على غزة، رغم أن الأحداث الأخيرة أعادت وضع القضية الفلسطينية على قائمة الأجندة الدولية والإقليمية، إلا أن مستوى التأثير يكاد يكون أكثر انحسارًا بالأطراف الأكثر اشتباكًا بالقضية الفلسطينية وتتوزع بين من يتخذ من الأحداث فرصة للعب دور إقليمي أكبر وبين من يراها ترسخ حالة من الاستعصاء، لكن هذه الأطراف تستشعر بالخطر الداهم الذي يمس أمنها القومي جرّاء هذه الحرب.

تمثل الأحداث الحالية إحدى المحطات الفاصلة لمستقبل فواعل ما دون الدولة في ظل حالة الهشاشة التي تمر بها الدولة الوطنية في المنطقة العربية، وبالتالي إذا ما استطاعت حركة حماس البقاء في مرحلة ما بعد الحرب فسيمثل ذلك تعزيزًا لتلك الفواعل، تحديدًا للفاعلين نصف دولاتيين الذين يملكون جناحًا عسكريًّا وجناحًا حوكميًّا. أما حالة الهزيمة قد يكون لها انعكاسات كبيرة على الفلسطينيين والمنطقة، خاصة وأن هذه الفواعل دائمًا ما تركز سرديتها على التضحية أمام شيطنة الدولة وتحميلها الهزيمة، والتي تترافق مع حالة وعي عربي يتجدد مع الجيل الجديد إزاء القضية الفلسطينية.      

معهد السياسة والمجتمع

زر الذهاب إلى الأعلى