أخبار المعهدرئيسية

“قصة مجتمعي”.. مجموعات من الشباب الأردنيين يسعون إلى التغيير الإيجابي في محافظاتهم من خلال افلام قصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي

خلال ساعات قليلة حصد فيلم قصير بثته مجموعة “قصة مجتمعي” في محافظة الطفيلة، على مئات الآلاف من المشاهدات، وأحدث ضجّة كبيرة، وهرع المتبرعون لمواجهة مشكلة عدم توفر المياه النقية، التي أشار إليها الفيلم، فقاموا بالتبرع بخزانات مياه صحية لمنطقة البربيطة، وقامت وزارتا الصحة والتربية بوضع عيادة صحية مؤقتة في المدرسة لمعالجة الأمراض الناجمة من مشكلة المياه الملوثة في بئر القرية.

لم يكن يحسب الشباب، الذين تمّ اختيارهم من قبل معهد السياسة والمجتمع للتدرب والانطلاق في هذا المشروع (الذي يجري بالتعاون مع السفارة الأميركية في عمان)، أن يحدث هذا الأثر المدوي خلال ساعات قليلة لقصتهم، لكن من الواضح أنّ ذلك يعكس، كما يقول حسين الصرايرة منسق المشروع ومدير البرامج في معهد السياسة والمجتمع، حجم التحول في ديناميكيات التغيير والعلاقة بين المسؤولين والمجتمع، إذ اصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أداة مهمة وقناة قوية وفعالة في التواصل والاتصال وتسليط الضوء على المشكلات والبحث عن طرق حلها، تصف درة المحيسن المهارات والأفكار التي تعلموها في المشروع بالقول ” من أهم الأشياء التي استفادتها من المشروع إني أنا أقدر أستخدم الأشياء البسيطة بين يدي لعرض قصص من  مجتمعي وعلى المدى البعيد، سوف أستخدم هذه الفكرة في أن أعرض قصص مجتمعي على مستوى أكبر “. 

لم تكن محافظة الطفيلة هي الوحيدة التي تمّ اختيارها في هذا المشروع، فقد شمل كل من البلقاء ومادبا والمفرق وعجلون ومعان، وقامت فكرة المشروع، وفقاً للصرايرة، على إجراء تدريبات مكثفة لمن تمّ اختيارهم على إعداد أفلام قصيرة عبر الأجهزة المحمولة التي لديهم، ما تطلب أيضاً تدريبهم على معرفة القوانين والتشريعات المتعلقة بالعمل الإعلامي ومهارات تحديد الاحتياجات وعملية كسب التأييد وغيرها من مهارات متكاملة مع صناعة الأفلام عبر المحمول.

تؤكد فداء العبادي، إحدى المشاركات في المشروع من محافظة البلقاء، أنّها تلقت تدريبات مهمة على من خلال الأدوات البسيطة، التي تستطيع من خلالها إحداث تغيير كبير، وهو ما أكدته رفيقتها في المشروع هديل العبداللات بأنّ فريق محافظة البلقاء اختيار ملف السياحة لأهميتها لهذه المدينة، فيما قالت رؤى الزعبي إنّ الفيلم هدف إلى الدفع نحو تطوير البنية التحتية المتعلقة بالسياحة في محافظة البلقاء، وأكد الوريكات المشارك أيضاً في المشروع أنّ موضوع الفيلم الأول عن السياحة في البلقاء هو بمثابة القضية الأولى، لكن ستكون هنالك قضايا أخرى وأنّ المشاركين في المشروع مستمرون في هذا العمل.

كان فريق محافظة البلقاء قد اختار موضوع السياحة وقابل العديد من المسؤولين، لمناقشة أهمية تطوير البنية التحتية، ووصل الفريق إلى التوصية بضرورة وجود خطة استراتيجية تكاملية لتطوير السياحة في المحافظة.

من المعروف أنّه مدينة السلط مؤخراً تم اختيارها لتكون  في قائمة التراث العالمي منظمة اليونسكو، وهذا الاختيار يساهم في زيادة من جذب السياحة والزوار، مما يعزز الاقتصاد المحلي، حيث ركزت القصة التي أعدها فريق البلقاء على أهمية تطوير البنية التحتية للمدينة للتوائم مع الزيادة المفترضة في عدد الزوار، اضافة الى تطوير منتجات السياحة بناء على هوية المدينة  حتى يتسنى للتجار والسكان الاستفادة من تراث مدينة السلط ومكانتها التاريخية. وهذا يتطلب تكثيف الجهود والعمل على استراتيجية سياحية واضحة وشاملة تحتاجها المدينة اليوم لتفعيل السياحة، وبالتالي زيادة الفائدة للمجتمع المحلي من موارد مدينتهم.

أما عن أثر الفيديو فتقول أروى أبو رمان، المشاركة في الفريق، أنّهم “اكتشفوا بعد التدريب أنهم بأدوات بسيطة يمكن فعلاً أن يبعثوا برسائل مؤثرة تسلط الضوء على المشكلات والأولويات أو القضايا الرئيسية في أي محافظة. 

بعد أن تمّ إعداد الفيديو دعا الفريق بالتنسيق مع معهد السياسة والمجتمع المسؤولين في المحافظة، كرئيس البلدية ومدير السياحة والمسؤولين الآخرين ونخبة من رجالاتها لمشاهدة الفيدو ومناقشة المشكلة والتوصيات، لكن تفاوتت استجابة المسؤولين بحسب المحافظة، فوفقاً للصرايرة كان هنالك غياب لمدير سياحة البلقاء بلا عذر أو تبرير، بينما في الطفيلة كان هنالك اهتمام كبير وملحوظ بالفيديو واستجابة فورية من المسؤولين لحل المشكلة.

يشارك ضياء الدين آل خطاب زملاءه رأيهم في حجم الأثر الكبير الذي يمنحه هذا المشروع للشباب ولقضايا التنمية والخدمات ومشكلاتها في المحافظات، ويرى هذا الشاب المشارك أنّه أصبح بإمكانه الشعور بقدرته على العمل والتغيير الإيجابي. يوافقه الرأي من معان هارون نعيمات الذي يقول  “ أصبحنا نعرف كيف نعد قصصا صحفية تعكس المشاكل الموجودة عندنا في محافظاتنا نعكس فيها المشكلة بالطريقة الصحيحة والطريقة الأمثل. حتى نصل للمسؤولين نكون قادرين على تغيير مجتمعي في مناطقنا أو محافظاتنا”.

وكان فريق معان قد اختار  قصته إثر وفاة  طفل أثناء ذهابه إلى مدرسته البعيدة على طريق دولي، بدون وجود خدمة إسعاف قريبة، في منطقة المدورة . حيث يعاني الطلاب هناك  من بُعد المدارس الحكومية عن مواقع السكن وغياب وسائل النقل، مما يجبرهم على المشي مسافة لا تقل عن ثمانية كيلومترات ذهابًا وإيابًا يوميًّا. بالإضافة إلى خطورة الشارع الذي يسلكونه، الذي يعتبر طريقًا دوليًا يربط الأردن بالمملكة العربية السعودية. في الجزء الثاني من القصة، تطرق الفيلم إلى الضعف وغياب الخدمات الصحية في القرية هناك.

يوافق سامي العطوي زملاءه في محافظة معان بأنّ هذا المشروع يمثل مفتاحاً رئيسياً من مفاتيح التأثير وتطوير المشاركة الشبابية والمجتمعية في الشأن العام وفي حل المشكلات اليومية والخدماتية التي يعاني منها المجتمع. 

شباب محافظة عجلون ذهبوا نحو التركير على موضوع حرائق الغابات في عجاون، وما يمكن أن تتسبب به الأنشطة البشرية في هذا المجال من كوارث. تُعد حرائق الغابات أمورًا خطيرة تؤثر على البيئة والتغير المناخي  الذي يعاني منه اليوم أغلب سكان الكرة الأرضية، في الأردن مساحة الغابات بين 0.2٪ و 1٪ من إجمالي مساحة البلاد، عجلون تمتلك حصة الأسد منها، هذا الرقم يشير إلى وجود تحديات كبيرة في الحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئية في البلاد، يقول حسين الصمادي ” التدريب الذي حصلت عليه مكنني في أن أطور قدراتي مع زملائي في التعريف بالقضايا المجتمعية والمشكلات وتقديم خيارات وبدائل لحلها”.

  وتُعتبر عجلون ثاني أصغر المحافظات الأردنية، ركز فريق المشروع هناك على الحرائق المفتعلة للغابات هناك التي تمتد على مساحة مئة وثلاثة وثلاثون ألف دونم ، بحسب الدفاع المدني 7050 حريق اندلع في أراضٍ مختلفة في عجلون منذ بداية العام وهو ما يشير الى أهمية التركيز على هذه القضية سواء عن طريق التوعية المجتمعية أو العمل التشريعي والتنفيذي مع الجهات ذات العلاقة.

في المفرق قام الفريق ببناء قصة  حول وسائل النقل العامة بين المحافظة والعاصمة عمان، ونقلوا شكاوى بشأن العدد القليل من وسائل النقل الصغيرة مقارنةً بالحافلات التي تستغرق وقتًا في التحميل والانطلاق، بالإضافة إلى توقف وسائل النقل العامة عن العمل بعد السادسة مساءً، مما يؤثر على حركة المواطنين وسهولة تنقلهم.

أما في مادبا فكانت دورات المياه في المدارس هي القضية الرئيسية التي لفتت انتباه أعضاء الفريق وقاموا بعمل فيلم عن أزمة دورات المياه في المدارس الحكومية، حيث يكون لكل 100 طالب من المرحلتين الثانوية والابتدائية دورة مياه واحدة مع قلة جودتها.

حاولت القصة هنا التركيز على أن توفير دورات مياه ذات جودة عالية في المدارس له أهمية كبيرة على الصعيدين الصحي والتعليمي، حيث يسهم ذلك  في الحفاظ على صحة الطلاب والمعلمين. البيئة الجيدة والنظيفة تقلل من انتشار الأمراض والعدوى داخل المدرسة وثم داخل المجتمع، 

وتشير عديد دراسات إلى أن دورات المياه ذات الجودة العالية تسهم في تحسين بيئة التعليم داخل المدرسة. الطلاب والمعلمون يحتاجون إلى بيئة مريحة ونظيفة لضمان التركيز والإنتاجية أثناء الدراسة والشعور بالراحة والصحة ليكونوا قادرين على التركيز والمشاركة الفعالة في الدروس. لذا، دورات المياه الجيدة قد تؤثر إيجابياً على أدائهم الأكاديمي.

يشرح حسين الصرايرة أنّ قصة مجتمعي، الذي بدأ في اكتوبر من العام الماضي، استهدف تدريب 36 شاباً وشابة اردنيين من بين أكثر من 200 شاب تقدموا بطلب للمشاركة في المشروع حيث تعلم المشاركون كيفية سرد قصصهم من خلال الأدوات الرقمية لمعالجة مشاكل مجتمعاتهم وإحداث تغيير إيجابي،  حيث تم تزويدهم من خلال مدربين أكفاء وأصحاب خبرة  بأدوات رواية رقمية فعالة، شملت أنشطة المشروع مرحلة بناء القدرات، وتقييم احتياجات المجتمع من قبل المشاركين، وصناعة القصة بناء على ذلك ثم عرضها محلياً ودولياً.

ويؤكد الصرايرة أنّ المشروع الحالي لا يقف عند حدود القصة الأولى فقط التي أنتجها المشاركون، بل تقوم فكرته على إطلاق صفحة على موقع الفيس بوك بعنوان قصة مجتمعي، تطرح فيها الأفلام والقصص والقضايا المتعلقة بالمحافظات من خدمات ومشكلات وقصص، مما يعزز دور جيل الشباب في العمل العام وتطوير قدراتهم على المساهمة في التنمية الوطنية في محافظاتهم. 

معهد السياسة والمجتمع

زر الذهاب إلى الأعلى