رئيسيةمقالات

شبح الإفلاس الاقتصادي يحلق منخفضا فوق منطقتنا

باتت سكرةالموت لنظام الاقتصادي العالمي واضحة للعيان ،مع تعاظم المخاطر والتحديات التي تحيط به بعد سنوات قليلة فقط ،من بلوغ معدلات النمو الأقتصادي في العالم ذروتها والتي قاربت 4% في عام 2017 قبل أن تعصف به هذه المخاطر والتحديات، التي بدأت مع تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة الامريكية والصين، والضغوط الاقتصادية الكلية في الارجنتين وتركيا احدى دول مجموعة العشرين التي تضم اكبر 20 اقتصاد في العالم، وحدوث حالة الاضطرابات في قطاع صناعة السيارات في المانيا الذي كان له اثر سلبي على أقتصادات دول منطقة اليورو، إلى جانب عودة السياسة النقدية إلى طبيعتها في الاقتصادات المتقدمة الكبرى بعد سنوات من أزمة 2008 المالية التي اصابت العالم ،ودفعت الدول المتقدمة لإنتهاج السياسة النقدية الحذرة، قبل أن تداهم العالم جائحة كورونا التي كان لها وقعا مزلزلا على الاقتصادي العالمي وتعطيل دورته،وإحداث اضطرابات على اسعار الطاقة وتعليق حركة سلاسل الإمداد حول العالم ،مما أدى إلى انكماش الكثير من الاقتصادات وارتفاع لمعدلات التضخم، وبينما كان العالم يخفف من القيود المتعلقة بالجائحة بعد تراجع حدته وسيره نحو مرحلة التعافي ،تفجرت في وجه الاقتصاد العالمي أزمة جديدة تتمثل في الحرب الروسية الاوكرانية ، إذ سيخلف هذا الصراع أضرار اقتصاديةبالغة وسينجم عنها تباطؤ ملحوظ في النمو العالمي خلال عام 2022 وارتفاع مستويات التضخم ،فقد شهدت أسعار الوقود والغذاء زيادة سريعة وقع تأثيرها الأكبر على الفئات السكانية الضعيفة في البلدان منخفضة الدخل ،ويتوقع تبطؤ النمو العالمي من 6.1% تقريبا في عام 2021 إلى 3.6% في عامي 2022 و 2023 وفيما بعد 2023 تشير التنبؤات إلى تراجع النمو العالمي إلى حوالي 3.3% على المدى المتوسط ،وفي ضوء ارتفاع أسعار السلع الأولية واتساع دائرة الضغوط السعرية نتيجة الحرب وصلت معدلات التضخم المتوقعة لعام 2022 إلى 5.7% في الاقتصادات المتقدمة و 8.7% في اقتصادات الاسواق الصاعدة والاقتصادات النامية متجاوزة بذلك توقعات البنك الدولي لشهر يناير بمقدار 1.8 نقطة مئوية و 2.8 نقطة مئوية، ويضاف إلى ما سبق من هذه التحديات إلى أزمة الديون العالمية التي تواصل الارتفاع وبمستويات غير مسبوقةولا سيما على دول منطقة الشرق الأوسط وتقترب هذه الديون العالمية من حاجز 300 تريليون دولار،ما يعني بأن نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي وصلت إلى 353% ،وفي ظل هذه المخاطر الحقيقية تجد كثير من الدول نفسها امام أزمات اقتصادية عميقة قد تنذر بتعرضها للإنهيار الاقتصادي والإفلاس فما هو المقصود بالإفلاس ولماذا تفلس الدول ؟وما هو دور وكالات التصنيف الإئتماني في تقييم الدول المفلسة ؟وهل الدول العربية مهددة بالإفلاس ؟وهل يواجه الأردن حقا خطر الإفلاس؟وكيف تواجه الدول الإفلاس ؟وما هي الاثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على إفلاس الدول ؟

ما هو المقصود بإفلاس الدولة ؟

في البداية لا تفلس الدول بالصورة التي نراها في الشركات الاستثمارية ولا يمكن الاقتراب من أصول وممتلكات الدول والاستحواذ عليها لبيعها وتسديد مستحقات الدائنين ،كما تفعل المحاكم المختصة في العادة مع الشركات ، فالدولة لها سيادتها الخاصة ولا يسمح القانون الدولي بتجاوزها، ويطلق على حالة التعثر المالي الذي يلحق بها الإفلاس السيادي .

و الإفلاس السيادي هو فشل أو رفض حكومة سداد دينها بالكامل ، وقد يرافقه إعلان رسمي من قبل الحكومة بعدم السداد أو السداد الجزئي لديونها المستحقة ، أو الوقف الفعلي للدفعات المستحقة . ويحدث إفلاس دولة ما عندما تكون عاجزة عن سداد ديونها ، وغير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية الأخرى من حيث دفع الرواتب والأجور ودفع ثمن ما تستورده من البضائع والسلع ،وفي مثل هذا الوضع تكون الدولة ضعيفة ماليا لا تستطيع تسيير الأمور الاقتصادية والاجتماعية.

لماذا تفلس الدول ؟

تقف عدة مسببات وراء تقهقر اقتصاد أية دولة ووصوله لحالات الإفلاس، وفيما يلي أبرز سببين:

أولا : ضعف السياسة النقدية لدول .

حيث أنه في حالة ضعف السياسة النقدية فإن الدول ستواجه الكثير من المشاكل الاقتصادية وأهمها:

  1. ارتفاع مستويات الديون لدى الدولة وهو ليس دائما مؤشر على الاقتصاد غير الجيد ، إذ توجد بعض الدول التي تعاني من ارتفاع مستويات الدين ، إلا إنها تسير على درب النمو الإقتصادي وهي تستقرض من أجل المشروعات والنفقات الاستثمارية بهدف إبقاء دورة الإقتصاد نشطة ،ومن الأمثلة على هذه الدول اليابان ، لكن في العموم عادة ما ينجم عن أرتفاع نسبة الديون مشاكل اقتصادية لدول ومن الأمثلة الصريحة على ذلك الأرجنتين واليونان اللتين تعرضتا للإفلاس.

2- التخلف عن سداد الديون أو عدم الامتثال لخطط سداد الديون وتحديدا تلك الديون المتعلقة بالمؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي.

3- أرتفاع تكاليف الاقتراض ولا سيما الفوائد على السندات ،والتي تتكبدها عادة الدول ذات الاداء الضعيف مقارنة بغيرها من الدول التي تقوم بالاقتراض.

4- فقدان ثقة المستثمرين بالدولة، نتيجة ضعف السياسة النقدية الأمر الذي يؤدي إلى تراجع  الدولة على مؤشرات التصنيف الائتماني .

ثانيا : التوترات السياسية الداخلية والخارجية .

والسبب الآخر الذي يدفع الدولة إلى إشهار إفلاسها ولو بشكل أقل من السبب الأول سالف الذكر، فيتعلق غالبا بالصراعات السياسية الداخلية، أو الخارجية وما يتبعها من عقوبات مفروضة.

وكالات التصنيف الائتماني ودورها في تقييم الدول المفلسة

تلعب وكالات التصنيف الائتماني دورا مهما في تشخيص حال اقتصادات الدول ، ولا سيما على الجانب المالي من خلال تقديم الإستشارات للمؤسسات المالية الدولية وللمستثمرين بشأن جودة هذه الديون ومستوى المخاطرة المحتملة بالاستثمار فيها ، وتحدد الدرجات التي تكون عليها الحالة المالية لهذه الدول بناء على حزمة من المعايير التي تسمح بتقييم الملاءة المالية لأصحاب الديون ومدى قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم ،كما أن لهذه الوكالات دور في بعض الاحيان في الحكم على مدى امكانية افلاس الدول من عدمها ويمكن تعريف وكالات التصنيف الائتماني بأنها : هي مؤسسات ربحية خاصة تعمل على تزويد الأسواق المالية بمعلومات مستقلة عن قدرة المقترضين على سداد ديونهم في آجالها ، من خلال منح درجات طويلة أو قصيرة الأجل للديون التي يتم تصنيفها  ويأتي التصنيف الأئتماني على عدة مستويات وتحت كل مستوى درجات من التصنيف وهي كالتالي تصنيفAA والذي يعني مستوى جودة عالي ومخاطرة قليلة جدا، وتصنيف A ويشير إلى قدرة عالية على السداد مع مخاطرة قليلةإضافة إلى تصنيف BB +والذي يفيد بأن الدولة لديها قدرة كافية للدفع ويليه تصنيفBB ويدل على أن هناك احتمالية لسداد الدين مع مخاطرة ، وتصنيف B و يعني أن هناك احتمالية لعدم السداد ووجود مخاطرة عالية .ومن ثم تصنيف+CCوالذي يحذر من وجد احتمالية كبيرة لعدم السداد وبعد ذلك تصنيف CC ويفيد بوجود أعلى درجات المخاطرة وعدم الالتزام وصولا إلى تصنيف C ويعني  قمة المخاطرة،ويتذيل هذه القائمة تصنيف D والذي يعد أكثر التصنيفات خطورة ،  حيث ينوه عادة من خطر التعثر في السداد، وبأن هناك مخاطر للإفلاس عالية جدا . 

وفي ما يخص التصنيف الائتماني لدول العربية المهددة بالإفلاس، تظهر بيانات المؤسسة العربية لضمان الاستثمار الصادرة عام 2021 بالاستناد على تصنيف الوكالات الأكبر في العالم ،مثل ستاندرد آند بورز وموديز وفيتش وكابيتال انتليجنس وآي أتش أس، بأن كل من لبنان والعراق واليمن والسودان وسوريا جاء تقديرها C بمستوياته المختلفة،وهذا التصنيف يعني بأنه هناك احتمالية كبيرة لعدم  القدرة على الإيفاء بالسداد،ووجود أعلى درجات المخاطرة على المقرضيين .

دول عربية مهددة بالإفلاس

في ظل المشكلات الاقتصادية المتراكمة التي تحيط باقتصادات دول العالم بما فيها بعض الدول العربية التي تتوسع حجم مديونيتها من عام لآخر ، وتعاني من نقص حاد في حجم السيولة والأرتفاع المطرد في الاسعار وتبأطؤ حركة النمو والحالة السلبية لكافة مؤشراتها الاقتصادية ،و ما تركته جائحة كورونا من تبعات على هذه الدول إضافة إلى ما تفرضه  عليها الحرب الروسية الاوكرانية اليوم من تحديات ،كارتفاع اسعار استيراد الأغذية والموجة العاتية من التضخم تبدو عدة  دول عربية على شفير الإفلاس ومنها :

لبنان

لبنان التي دخل منذ عام 2019 في أزمة مالية واقتصادية حادة تفاقمت حتى وصفها البنك الدولي بأنها واحدة من أشد الأزمات على مستوى العالم، منذ منتصف القرن التاسع عشر إذ يعاني لبنان من حجم ديون يتجاوز 100 مليار دولار ، منها حوالي 62 مليار دين محلي بالليرة اللبنانية ،و 38 مليار منها دين خارجي بالعملات الأجنبية أبرزها الدولار، ودفعت الأزمة المالية والاقتصادية التي دخلتها البلاد إلى اعلان الحكومة اللبنانية توقفها عن سداد الدين الخارجي ،لعدم توفر الموارد الكافية لخدمة هذا الدين، ومنذ ذلك الحين ، تسارع الانهيار المالي و إذ تراجع احتياطي لبنان من النقد الأجنبي من حوالي 38 مليار دولار في 2019 إلى حوالي 15 مليار دولار حاليا، وجميعها احتياطات الزامية للجهاز المصرفي لا تستطيع الحكومة استخدامها في تغطيات واردات السلع الأساسية، وفقدت الليرة اللبنانية نحو 90 % من قيمتها ، وبعد أن كانت مستقرة عند حوالي 1500 ليرة مقابل الدولار على مدى 20 عاما ، انحدرت ليصرف الدولار حاليا بنحو 31 ألف ليرة.

السودان

عانى اقتصاد السودان على مدار 25 عاما من العزلة منذ أدرجته الولايات المتحدة على قائمة الدول الداعمة للإرهاب ومع سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في 2018 ، تكللت الجهود بعودته إلى النظام المالي العالمي بعد ربع قرن من الأزمات المالية والاقتصادية نتيجة هذه العزلة، إذ بلغ الدين الخارجي لسودان خلال فترة البشير حوالي 60 مليار دولار ،كان معظمها متأخرات لصندوق النقد الدولي ودائني نادي باريس وبعد إعادة السودان لنظام المالي العالمي ، ضم صندوق النقد الدولي الخرطوم لمبادرته الخاصة بتخفيف الديون عن الدول الفقيرة التي تدعى ( هيبيك) ،ما سمح بإعفائه من 23.5 مليار دولار ،ضمن عملية كان يأمل أن تنتهي بإعفاء الخرطوم من نحو 54 مليار دولار، ومنحه مليارات الدولارات كتمويلات من صندوق النقد وغيره من المانحين، وكل ذلك كان مشروطا بإصلاحات اقتصادية جذرية ،من بينها تعويم الجنيه السوداني وهو ما تم فعلا على مرحلتين ،ما أدى إلى تراجع حاد في قيمة العملة المحلية، من 55 جنيها للدولار الواحد إلى حدود 400 جنيها للدولار ،إضافة إلى رفع الدعم عن الوقود وأدى انهيار العملة ورفع الدعم عن الوقود وسلع أساسية أخرى إلى تفاقم التضخم في السودان ،ليصل إلى حدود 300 بالمئة .

تونس

بعد سنوات من إيجابية مؤشرات الاقتصاد التونسي كنمو الناتج المحلي الإجمالي وبلوغه نسبة 9 % وحفاظه على معدل بطالة أقل من 12 بالمئة إلا أنه منذ عام 2012 دخل اقتصادها في حالة تبأطو لنمو وصولا إلى الانكماش بنسبة 0.15 % في 2014 وأدت جائحة كورونا إلى إنتكاسة الاقتصاد التونسي وانكماشه بنحو 8.8 بالمئة في عام 2020 ولم يتجاوز النمو في 2021 نسبة 3% ويعاني اقتصاد تونس من أرتفاع حجم المديونية إذ يستحود الدين العام بحسب قانون موازنة البلاد على 82.57% من إجمالي الناتج المحلي في 2022 ، ويبلغ الدين الخارجي نحو 24.8 مليار دولار بينما يبلغ الدين الداخلي 13.3مليار دولار وتراجع تحويلات المغتربين ومع هذا الواقع الاقتصادي العصيب وأرتفاع معدلات التضخم وتأخر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على قرض جديد بقيمة 4 مليارات دولار من أجل توفير موارد للموازنة والقيام بإصلاحات اقتصادية خاصة في ظل نقص الأموال في الخزينة العامة لدولة إذ تأخر صرف رواتب شهرين كانون الثاني وشباط لكثير من الموظفين العموميين، ويتوقع بنك الاستثمار الأميركي ” مورغان ستانلي ” أن تتخلف تونس عن سداد ديونها في عام 2023 بسبب احتياجات التمويل المرتفعة .

اليمن

رغم أن مديونية اليمن أقل بكثير من معظم الدول العربية، بواقع 10 مليارات دولار في أواخر 2021 وفق بيانات رسمية، إلا أن المعضلة الاقتصادية الأساسية لهذا البلد الذي يعاني حربا مستمرة منذ سبع سنوات تتمثل بافتقاره للسيولة لتغطية وارداتها من السلع، وتمكين الحكومة المعترف بها دوليا في جنوب البلد.

بالتوازي مع الحرب العسكرية التي بدأت في 2015، تدور في الخفاء حرب مالية اقتصادية، إذ صادر الحوثيون الاحتياطيات النقدية للبنك المركزي عندما سيطروا على العاصمة صنعاء، وتقدر بحوالي 5 مليارات دولار. وتوالت عمليات مصادرة الأصول والاحتياطيات النقدية من قبل الحوثيين، لتطال بين عامي 2016 و2018 أصول هيئة التقاعد والمعاشات وصناديق التقاعد والعديد من البنوك والشركات، بإجمالي 6 مليارات دولار وفق تقارير دولية.

وقد شكلت مصادرة هذه المبالغ من النقد الأجنبي رفعا للغطاء عن الريال وأدت إلى فقدان الدولار من الأسواق، وكانت هذه بداية انهيار العملة اليمنية. في آذار 2014، كان الدولار يصرف بنحو 214 ريال يمني، لينحدر في أواخر 2021 إلى حوالي 1800 ريال للدولار الواحد.

وأدى هذا الانهيار للعملة المحلية، وفقدان العملات الصعبة لتمويل الواردات، إلى أزمات شملت جميع السلع الأساسية والوقود، التي قفزت أسعارها لمستويات تفوق قدرة اليمنيين المنهكين من الحرب.

سوريا

قد تكون سوريا البلد العربي الوحيد الذي لا يعاني من مديونية خارجية ،إذ نجحت في عام 2019 في سداد كامل الدين الخارجي ، البالغ 23 مليار دولار معظمها لروسيا و إيران والعراق ، إلا انها تعاني من فقدان السيولة اللازمة لتغطية وارداتها من الخارج، خصوصا بعد تراجع دعم روسيا المشغولة في الحرب مع أوكرانيا، الامر الذي ادخل اقتصاد البلاد في مرحلة جديدة من الانهيار ، فمنذ فرض العقوبات الغربية، بدءا من 2012، تقلص الاقتصاد السوري حتى بات يعتمد على رواتب الموظفين وبعض الخدمات فقط، وحرمانه من باقي القطاعات، كالنفط والصناعة وغيرها ، وانهارت الليرة السورية من متوسط سعر 50 ليرة للدولار في بداية الحرب عام 2011، إلى 2814 ليرة السعر الرسمي للدولار، وحوالي 4000 ليرة في السوق السوداء ، وتحت ضغط نقص السيولة واستنزاف الاحتياطي بسبب العقوبات الغربية، قلصت الحكومة السورية في 2019، بشكل كبير، دعم السلع والخدمات الأساسية، كالطحين والوقود والكهرباء، تبع ذلك في فبراير/شباط الماضي، وقف الدعم عن حوالي 500 ألف أسرة  وتفيد تقارير  منظمات انسانية واغاثية دولية بأن  أكثر من 90 بالمئة من السوريين في مناطق سيطرة النظام تحت خط الفقر، و70 بالمئة يعيشون على تحويلات نقدية من الخارج.

الأردن وجدل الإفلاس

آثار تصريح لرئيس الوزراء الأردني السابق طاهر المصري حذر به من اقتراب الاقتصاد الأردني من التعرض للإفلاس جدل واسعا في الاوساط السياسية والاقتصادية الاردنية ، وبث المخاوف بين المواطنين لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية العصيبة التي تمر بها البلاد ، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء الحالي إلى تطمئين الأردنيين بتماسك الاقتصاد الاردني وصلابته وبعده عن أي مخاطر تنضوي على امكانية حدوث حالة إفلاس ، وهو ما أتفق معه الخبراء الاقتصاديين الذين اكدوا بأنه على الرغم من أرتفاع حجم المديونية وتبأطو النمو الاقتصادي ومعدلات البطالة القياسية ، إلا أن اقتصاد الأردن محصن من الإفلاس مستندين على ذلك بشهادة وكالات التصنيف الإئتماني العالمية كوكالة “ستاندرد آند بوورز ” التي ثبتت في اخر تصنيف لها النظرة المستقبيلية للأردن عند BB+وهي نظرة مستقرة تثبت تماسك الاقتصاد الاردني ، إضافة إلى عدة مؤشرات إيجابية يسجلها الاقتصاد الأردني ، وأهم هذه المؤشرات هو احتياطات البلاد من العملة الصعبة والتي تناهز 17 مليار دولار وهي مملوكة بشكل كامل للبنك المركزي بأستثناء مليار دولار منها فقط هي ودائع سيادية لبعض الدول الخليجية ، حيث تغطي هذه الاحتياطات مستورادات المملكة لأكثر من تسعة شهور ،إضافة إلى مؤشر حركة الصادرات والذي يسير بنمو من عام لآخر ومن المتوقع أن تنمو خلال العام الحالي بأكثر من 6% على أقل تقدير، وهو ما يشكل قرابة 30% من مصدر احتياطات البلاد من العملة الصعبة ، إلى جانب مؤشرات أخرى كأستقرار حوالات المغتربين التي تناهز 3.8 مليار دولا ر منذ سنوات ولم تتأثر بتبعات جائحة كورونا ،وايضا الدخل السياحي والذي يمضي من عام إلى أخر بوتيرة نمو إيجابية لم تشهد تراجع إلا في فترة اغلاقات كورونا في عام 2020 ، إذ بلغ الدخل السياحي قبلها في عام 5 مليارات دولار والتقديرات تشير إلى تسجيل نسبة دخل سياحية أعلى من ذلك خلال هذا العام والاعوام القادمة مع دخول العالم مرحلة التعافي الاقتصادي الكاملة بعد الجائحة ،ويضاف إلى هذه المؤشرات وفق خبراء عدة عوامل تحصن الأقتصاد الأردني من أي سيناريو للإفلاس ، ومن هذه العوامل قدرة الاردن على الوفاء بإلتزاماته المالية الخارجية والداخلية على حد سواء وظهر ذلك حتى خلال فترة الجائحة العصيبة وسداد الأردن سندات باوند بقيمة مليار دولار، إضافة إلى قدرته على الوفاء ايضا بدفع كافة المتطلبات المالية المعتادة دون أي تأخير بما في ذلك رواتب العاملين في القطاع العام، إلى جانب عامل علاقة الاردن بالمانحين والمؤسسات المالية والنقدية الدولية وارتباطه بعلاقات قوية مع المؤسسات الدولية ولا سيما صندوق النقد الدولي  الذي يرتبط معه بإتفاق ائتماني لمدة أربع سنوات قادمة واجتاز الاردن المراجعة الاولى والثانية له بإشادة من القائمين على الصندوق ، فما سبق من مؤشرات وعوامل يؤكد على صلابة وتماسك اقتصاد الاردن وقدرته على تجاوز التحديات التي تحيط به كأرتفاع حجم الدين العام ومعدلات البطالة .

فبحسب الخبراء فأن مشكلة الاقتصاد الأردني بعيدة عن اي مسببات وموجبات الافلاس ، فمشكلته  تقتصر بشكل أساسي على معدلات النمو المتبأطة التي لا تتناسب وحجم التحديات كالبطالة والدين العام ،وهذه الاشكالية تعاني منها الكثير من اقتصادات دول العالم ،ويمكن التخفيف من حدتها بالعمل على جذب الاستثمارات وتهيئة الظروف لزيادة النمو وخلق فرص العمل .

ما الذي يحصل حين يفلس بلد ما ؟

عندما يعجز بلد ما عن الدفع لدائنيه في الوقت المحدد هو يدخل فعليا حالة التوقف عن الدفع أي ما يوازي الإفلاس على مستوى الدول ، ويلجأ إلى عدة خيارات للقيام بها : الخيار الاول تقوم الدولة التي تقع في الإفلاس بالسعي إلى تطمين الأسواق العالمية عبر إعادة هيكلة دين عوضا عن أن ترفض ، ببساطة ، دفع أي شيء على الإطلاق ولكن هذه السياسات التي يطلق عليها اقتصاديا عملية (قص الشعر ) حيث يتم خفض القيمة الأصلية لسند الدين ، قد تكون بالغة الأذى بالنسبة إلى حاملي السندات الحكومية أما الخيار الثاني وهو أقل حدة من الخيار الأول هو أن تقوم الدولة بإعادة هيكلة ديونها عبر طلب المزيد من الوقت للدفع ، وينتج عن هذا الفعل خفض قيمة السند ، وعندما يكون الإفلاس مؤلم جدا للبلد الذي يقع فيه خصوصا إن كان الإفلاس غير متوقع وغير منظم . سيقوم المدخرون والمستثمرون المحليون لانهم يتوقعون هبوط قيمة العملة المحلية بالهرع لسحب أموالهم من الحسابات المصرفية وتحويلها إلى خارج البلاد عندها ، قد تقوم الحكومة خوفا من أن تغرق المصارف بسحوبات المودعين وتنخفض بالتالي قيمة العملة بفرض إغلاق المصارف وتقرير قيود على عمليات تحويل الأموال وهذا هو الخيار الثالث ويتم تفعليه عادة بشكل استثنائي.

وما هي الاثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على افلاس الدول ؟

يترتب على الدول التي تتعرض إلى إفلاس تأثيرات سلبية اقتصادية وإجتماعية  تلحق اثر سلبي بالدائنين والمواطنين وبالدولة نفسها واقتصادها ، ففي ما يتعلق باثر الإفلاس على الدائنين فأنهم سيتعرضون لخسارة كل أو جزء من الأموال التي أقرضوها لتلك الدولة أو الفوائد على تلك الديون ، ولكن عادة ما تتم مفاوضات يسترد الدائنين بموجبها بعض تلك الأموال ، وقد تصل الخسارة في بعض الأحيان إلى 75% من أموالهم ، وفي ما يخص اثر الإفلاس على الدولة المفلسة فهناك جانبان ، أحدهما  إيجابي وهو انخفاض مصروفات الدولة تجاه الدائنين حيث تتوقف عن دفع مستحقاتهم ، اما الجانب السلبي فهو تدمير الثقة في البلد ما يعني عدم امكانية الحصول على قروض جديدة من الأسواق ،وبالنسبة لأثر الإفلاس على المواطنين ستنخفض قيمة الثروة النقدية للمواطن والسبب أن المواطن هو دائن لدولته بطرق مختلفة ، كأن يكون حاملا لسندات الدولة أو مشتركا في صندوق تقاعد يحمل تلك السندات ، أما عن اثارها على الاقتصاد الوطني فهي لها اثار سلبية كبيرة ، إذ ستفقد البنوك جزءا من رأس مالها لأنها فقدت ديونها على الدولة وتحدث أزمة اقتصادية لأنخفاض الطلب الداخلي على البضائع وانسحاب روؤس الأموال الأجنبية وتحدث كذلك أزمة عملة ، حيث يتفادى المستثمرون الخارجيون هذا البلد ، وسيخرج المودعين والمستثمرين من السوق المحلي نتيجة الانخفاض الكبير في قيمة العملة المحلية ، وسيهرولون من أجل سحب مدخراتهم و أموالهم خارج البلاد ، مما يتسبب في تهاوي قيمة العملة المحلية التي ستحاول الحكومات السيطرة عليها ، من خلال إغلاق البنوك وفرض قيود على حركة روؤس الأموال ،وخارجيا ستواجه الدولة المفلسة عقاب من الدول والمؤسسات المالية الكبرى كعقاب لها عن امتناعها عن سداد ديونها ، وهذا العقاب يتمثل أن تفرض أسواق رأس المال فائدة أعلى على أي أموال ستقترضها تلك الحكومة في المستقبل ،أوقد يمتنعون تماما عن إقراضها ولن تتوانى وكالات التصنيف الائتماني في إطلاق التحذيرات حول الاستثمار في هذه الدولة .

عبدالرحمن الخوالدة

صحفي اقتصادي
زر الذهاب إلى الأعلى
X