مقالات

إلى أين يتجه صراع الرئيس والقضاء في تونس؟

تعيش تونس فصلًا جديدًا من الأزمة السياسيَّة، عنوانه: استقلال السلّطة التشريعيَّة عن المصالح السياسيَّة، وهو مطلب ينشده أطراف الصراع، الرئيس وأنصاره من جهة، والقضاة والمجتمع الحقوقي من الجهة الأخرى، حيث أعلن الرئيس قيس سعيّد من أمام وزارة الداخليَّة يوم الأحد، نيته حل المجلس الأعلى للقضاء الذي يصفه بـ “المسيس”، معتبرا إياه جهازًا خادمًا لأطراف معينة، بعيدًا عن الصالح العام، ورأى سعيّد أن “المجلس أصبحت تباع فيه المناصب بناء على الولاءات”، وأن “المجلس الأعلى للقضاء أصبح في عداد الماضي”،  وقال أيضًا: “سنعمل على وضع مرسوم مؤقت للمجلس الأعلى للقضاء”، مؤكدا أن عددًا من القضاة حصلوا على أموال وممتلكات تبلغ قيمتها المليارات، معتبرًا أن “هؤلاء مكانهم المكان الذي يقف فيه المتهمون”.  فيما رفض المجلس القرار وتعهد بمواصلة مهامه، في خطوة دفعت جمعية قضاة تونس وجمعية القضاة الشبان إلى تنفيذ تعليق لعمل المحاكم يومي الأربعاء والخميس احتجاجًا على حل المجلس.
يتضمَّن حديث الرئيس قيس سعيّد عن القضاء جزءً من الصحة والصواب، والجميع في تونس يعلمون بأنَّ القضاء بحاجة إلى ورشة إصلاح بسبب وجود العديد من المشاكل داخل المؤسسة القضائيَّة، ولكن الطريقة التي يتبعها سعيّد، تحمل تحريضًا صريحًا ومباشرًا على القضاة والمؤسسة القضائية معًا، ثم أنه لم يطرح لغاية الآن منهجية واضحة لإصلاح المؤسسة القضائيَّة، وذهب مباشرة إلى خيار حل المجلس الأعلى للقضاء، وهذا بطبيعة الحال فيه “تقويض خطير لسيادة القانون واستقلال القضاء” كما أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

أهمية المجلس الأعلى للقضاء بالنسبة للرئيس:
المجلس هو مؤسسة دستورية، قبل عام 2011 كان يرأسها رئيس الجمهورية، بعد سقوط نظام بن علي أصبحت مستقلة إداريًا وماليًا، مهمتها الرئيسية ضمان حسن سير القضاء والمحافظة على استقلالية السلطة القضائية تطبيقًا لأحكام الدستور وكما تنص عليه المعاهدات الدولية المصادق عليها من قبل تونس.  ويتهم المجلس منذ عام 2013 بالتقصير، خصوصًا في ملف اغتيال السياسيين أمثال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، الأول في 6 فبراير 2013، والثاني في 25 يوليو من العام نفسه، وقد أثار اغتيالهما حالة غضب وموجة احتجاجات واسعة في البلاد.  الأمر الذي وجه أصابع الاتهام إلى المجلس بالتخاذل في هذه القضية لأن أطراف الاتهام توجهت إلى حركة النهضة.
على ما يبدو أن الرئيس التونسي أيضًا قد انزعج كثيرًا من فشل ملف استرداد أموال بن علي بعد انقضاء المهلة القانونية مؤخرًا، والتي كشفت مدى النفوذ الخارجي في أروقة الدولة التونسية، تحديدا تعطيل المسار القضائي الساعي لاسترداد تلك الأموال، خصوصًا بعد مرور أكثر من 10 سنوات لم تستطع الدولة التونسية استعادتها من البنوك وعادت إلى وضعها السابق، وأصبح من حق عائلة بن علي حرية التصرف بها، كما أن العائلة قد تقوم برفع قضية دولية على الحكومة التونسية للمطالبة بالتعويضات والضرر عن تجميد الأموال طيلة فترة التجميد.

طريق العودة إلى النظام الرئاسي:
كان الرئيس سعيّد واضحًا منذ 25 يوليو الماضي عندما قرر السيطرة على مفاصل الدولة من خلال مصادرة المؤسسات العامّة، بالتالي أراد أن يضع كل الصلاحيات بيده بما في ذلك صلاحية القاضي والقضاء، ولذلك جاء مرسوم 117 الرئاسي  ليؤكد ذلك ثم ينهي صراعه مع القضاء بمحاولة إخضاعه، لذلك لا يوجد ما يدل على سعي الرئيس – على الأقل في هذا الظرف – إلى استقلالية القضاء أو إعادة الحياة السياسية إلى ما قبل 25 يوليو.
بموازاة تعطيل المؤسسات الديمقراطية، سيكون هناك عمل كبير من أجل تغيير شكل النظام السياسي في تونس، خصوصًا وأن الرئيس سعيد ألمح في أكثر من مناسبة عدم رضاه عن الدستور الحالي وميوله إلى النظام الرئاسي بدون أحزاب سياسية، والاكتفاء بنظام حكم محلي قائم على نهج اللامركزية (البلديات)، ويجد الكثير من المراقبون السياسيون في تونس أن مشروع رئيس ينصب حاليًا على تكثيف الجهود بهدف العودة إلى النظام الرئاسي، حيث تساعده الحالة السياسية والصحية المضطربة وغياب ثقة التونسي بالتجربة السياسية في تحقيق أهداف العودة وتصفية الخصوم التقليدين، والاستحواذ على مفاصل السلطة.

أولويات تونس الغائبة:
إذا رجعنا إلى الأولويات في تونس، فإن الأولويّة الكبرى والأساسيّة هي المسألة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، لأن استمرار هذه الأزمة؛ يعني أنّ الاقتصاد التونسي سيتضرر كثيرًا ثم كثير من القطاعات ستجد نفسها محصورة في صراع مباشر مع الحكومة والمؤسسات العامّة، وكان من الأولى الاهتمام بالمسألة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، والعمل على إزالة العراقيل أمام إمكانية مساعدة تونس في الحصول على تمويلات ومساعدات تمكنها من الخروج من هذه الأزمة والتقليل على الأقل من تداعياتها، ولكن السيطرة على السلطة التشريعية والتنفيذية والآن القضائية؛ يزيد من استبعاد إمكانية مساعدة تونس في الحصول على قروض ومساعدات، ويؤثر على سيادة القانون ويهيأ أرضية مواجهة بين الشارع المحتقن اقتصاديًا ومؤسسات الدولة، الأمر الذي قد يجر تونس إلى حالة فوضى أكبر من التي تعيشها.

الهوامش:
1.    قيس سعيد يقرر حل المجلس الأعلى للقضاء.. دلالات وتداعيات القرار على المشهد في تونس. تقرير التلفزيون العربي
2.    تونس: المجلس الأعلى للقضاء يرفض قرار سعيّد بحله ويتعهد بمواصلة مهامه. فرانس 24
3.    مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت: حل مجلس القضاء الأعلى في تونس يقوض سيادة القانون بشكل خطير. الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة
4.    الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، 22 سبتمبر  2021   .carthage.tn
5.    الموقع الإلكتروني للمجلس الأعلى للقضاء في تونس
6.      من هو “مسؤول النهضة” المتهم باغتيال بلعيد والبراهمي؟ سكاي نيوز عربية
7.    أزمة تونس: جمعية قضاة تونس تدعو إلى تعليق عمل المحاكم الأربعاء والخميس احتجاجا على حل المجلس الأعلى للقضاء .bbc.com/arabic
8.    أزمة تونس: الاتحاد الأوروبي يتابع بقلق قرار الرئيس قيس سعيّد حلّ المجلس الأعلى للقضاء .bbc.com/arabic
9.    المجلس الأعلى للقضاء في تونس يرفض قرار الرئيس بحله ويتعهد بمواصلة عمله. قناة المملكة

زر الذهاب إلى الأعلى
X