مقالات

ما قبل تعديل قانون الانتخاب

هدف الإصلاح السياسي في الأردن هو الوصول إلى حكومات برلمانية، الحكومات البرلمانية تتشكل جوهريا من أحزاب فازت بمقاعد مجلس النواب، ويتم تشكيلها من ائتلاف أحزاب أو من حزب واحد حصل على أغلبية المقاعد، وحتى تفوز الأحزاب بثقة الناس يجب أن تملك برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، تلقى قبولا عند المواطنين، وحتى تتمكن الأحزاب من وضع مثل تلك البرامج والخطط الحزبية يجب أن تكون مؤسسات فاعلة على الأرض، بمعنى أن يكون لها امتداد شعبي وإمكانيات مالية كافية، وقبل ذلك كله أن يكون لها نظام حزبي ديمقراطي يتم بموجبه تبادل السلطة بين أعضاء الحزب، بحيث يقدم الحزب للوطن والمواطنين قيادات ونخبا سياسية وازنة وطنية حرة متمسكة بالدستور.

تشكيل النخب السياسية سيرورة وطنية تبدأ من الطفولة، حيث يتعلم المواطن ممارسة الديمقراطية “الاختيار” من جانب، كما يتصالح سلميا مع حقيقة وجود اختلاف في مجتمعه من جانب آخر، الأمر الذي يتطلب تمكين النفس والعقل على قبول التنوع والاختلاف في الرأي والمعتقد.
باختصار؛ يجب تشكيل الإنسان ليكون مواطنا حرا يؤمن بسيادة القانون ويتمسك بالدستور، ويحرص على التمسك بحقوقه وحرياته، كما يحرص أيضا على القيام بواجباته، وهذا لا يكون بعمل إصلاحي جزئي أو مجزوء، بل بخطة متكاملة متعاضدة تسعى للوصول للهدف الوطني العام.

الإصلاح بهذا المعنى هو إستراتيجية متكاملة للدولة في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والتعليمية، تتشابك مدخلاتها، وتتوازى خطواتها لتنهض بالتعليم والاقتصاد والاجتماع لتحقيق المواطنة ولتكريس قيم الدستور المتمثلة في الحرية والمساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص وتحقيق الطمأنينة للمواطنين. نعم يبدو الأمر سيرورة طويلة، وعملا شاقا، وهو كذلك لأن الإصلاح بمفهومه وطبيعته يجب أن يكون متدرجا، ثابت الخطى، مستمر العمل ضمن خطط زمنية واضحة، وآلية نقد ومراجعة مستمرة تضمن تصحيح المسيرة وضمان استمرارها، وبغير هذا الفهم الشمولي للإصلاح، باعتباره مشروعا وطنيا متكاملا، سوف نظل نلجأ – للأسف – في عملية الإصلاح إلى تقديم إسعافات سياسية أولية قائمة على تعديل نصوص قانونية منعزلة، وإدخال ما يعتَقد أنه إصلاح أو طريق للإصلاح، خاصة وأن المتأمل للتعديلات التي تمت على قانون الانتخاب أو الأحزاب سيعرف أنها تعديلات وضعت في ظل “خوف” أكثر منها تعديلات للمستقبل، تعديلات فصلت في أجواء كوابيس “التوجس” من قوى سياسية بعينها، أو في ظل انقسام على مفهوم من هو مواطن بات أو مواطن مؤقت، ولهذا جاءت التعديلات عموما “مرعوبة”، وليست إستراتيجية متكاملة، وانتهت إلى ما نحن عليه من تراجع في العملية السياسية، وفي بناء المواطن والمواطنة الأمر الذي ساهم في تراجع في تطبيق قيم الدستور التي تبناها الأردنيون عند التأسيس، وأهمها الحرية وحقوق المواطن، وتكافؤ الفرص وسيادة القانون، الأمر الذي يخلق بيئة ينتشر فيها الفساد وأخطر من الفساد الترهل والتراجع في فعالية مؤسسات الدولة.

غاية الإصلاح السياسي تشكيل حكومة برلمانية، وأداته تحقيق قيم المواطنة كما وردت في الدستور، وأهمها سيادة القانون، وتكافؤ الفرص في التعليم والصحة والمواصلات، وهذا يستوجب مقاربة الإصلاح السياسي ليس بتعديل نص قانوني، بل بوضع إستراتيجية متكاملة للنهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولعل هذه الإستراتيجية تكون سرد الدولة في مئويتها الثانية، ولن نحقق أيا مما سلف إلا بإحداث ثورة بيضاء في التعليم، ولعمري إن الأطر العامة لمثل هذه الخطة الإستراتيجية الشاملة للإصلاح موجودة لمن أراد، في الأوراق النقاشية الملكية، “ارجعلها” جنابك !

المصدر
الغد
زر الذهاب إلى الأعلى
X