سوريا ما بعد الأسد: السيناريوهات والديناميات الإقليمية
31 يناير/كانون الثاني - 01 فبراير/شباط 2025 | إسطنبول، تركيا

ورشة عمل “سوريا بعد الأسد: السيناريوهات والديناميات الإقليمية”: جمعت ورشة العمل التي استمرت على مدار يومين والتي كانت بعنوان “سوريا بعد الأسد: السيناريوهات والديناميات الإقليمية” مجموعة متنوعة من الخبراء والأكاديميين وصنّاع القرار من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، والولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا.
حيث عقد معهد السياسة والمجتمع بالتعاون مع مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، هذه الورشة بمشاركة نخبة من المحللين السوريين وأعضاء المجتمع المدني وصنّاع القرار، بهدف مناقشة الأحداث التي أدت إلى سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. كما تناولت النقاشات مجموعة واسعة من القضايا، مع التركيز على المسار المستقبلي لسوريا، وانعكاسات ذلك على الجغرافيا السياسية الإقليمية. يقدم هذا التقرير ملخصًا لأبرز القضايا التي نوقشت والتوصيات التي تم اقتراحها..
أبرز النقاط المستخلصة
- الحاجة إلى رفع كامل وغير مشروط للعقوبات أمرٌ ملح وضروري، ليس فقط من الناحية القانونية، ولكن أيضًا لاستعادة الدولة السورية. لا ينبغي أن تستمر سوريا في دفع ثمن جرائم الحرب التي ارتكبها نظام بشار الأسد ضد الشعب السوري.
- في ظل غياب التحرك الدولي الجاد تجاه التعافي الاقتصادي السوري، ينبغي على القيادة الجديدة في سوريا عقد مؤتمر اقتصادي لمدة يومين لدعم المساعدات الدولية والاستثمار، بالإضافة إلى بحث مسألة تخفيف العقوبات.
- رغم شعور السوريين بالنشوة عقب سقوط الأسد، إلا أن إرث الحرب الطويلة وحكم النظام لعقود من الزمن ترك البلاد منهكة ومنقسمة، ما يستدعي تهيئة فرصة حقيقية للتعافي وإعادة بناء المجتمع.
- في إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، هناك حاجة إلى آليات دولية جديدة، بقيادة متجددة لبعثة الأمم المتحدة في سوريا، لتقديم المساعدة الفنية والدعم التقني. تشمل هذه الآليات:
1. المؤسسة المستقلة للأشخاص المفقودين في الجمهورية العربية السورية (IIMP).
2. الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM).
- إيران تراقب الوضع عن كثب، حيث تُقيّم طبيعة الدور الذي ترغب في تأديته في سوريا، مع إدراكها لحجم العبء الاقتصادي والسياسي الذي فرضه دعم الأسد عليها. في المقابل، تسعى روسيا إلى التوصل إلى تسوية تفاوضية تسمح لها بالحفاظ على وجود عسكري جزئي، خاصة في قاعدة حميميم الجوية.
- تركيا لا يُتوقع أن تنفذ أي توغل عسكري مباشر أو رسمي في سوريا لتأمين حدودها، ولكنها تسعى للحصول على ضمانات أمنية متعددة، من خلال مفاوضات مع الفصائل الكردية، للوصول إلى ترتيب أمني قابل للتطبيق.
- الدور السعودي في دعم دمشق سيكون عاملًا محوريًا في إعادة تشكيل ميزان القوى الجيوسياسي في المنطقة، لا سيما بين القوى غير العربية المؤثرة، مثل تركيا وإسرائيل وإيران.
1. الملخص
يُعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد لحظة زلزالية تاريخية في السياسة العربية والشرق أوسطية، كما أنه يمثل تحولًا جذريًا بالنسبة للشعب السوري. وبعد أسابيع من سقوط النظام، بدأت مشاعر النشوة الأولية تتلاشى، حيث بدأ السوريون العائدون إلى وطنهم بعد فرارهم من النظام، وكذلك من ظلوا داخل البلاد، في مواجهة التحديات المتعددة التي تعصف بسوريا. وبعد سنوات من الصراع والانقسام الحاد، بات على الشعب السوري مواجهة حجم المعاناة التي تشمل جميع أنحاء البلاد.
في ظل الرئاسة الانتقالية لأحمد الشرع، يشهد الوضع السياسي—سواء الداخلي أو الخارجي—تطورًا متسارعًا. ومع ذلك، هناك مخاوف من غياب العمل السياسي الملموس على الأرض، بالإضافة إلى الاعتماد المفرط على المجتمع المدني لملء الفراغ السياسي. لا تزال الجهات الدولية والإقليمية غير متأكدة من كيفية التعامل مع الشرع، في حين يبدو أن المجتمع المدني متفائل بحذر بشأن الحوار المتنامي معه. وفي الوقت نفسه، يُظهر الشرع براعة سياسية في إدارة المصالح المتشابكة داخل البلاد، وفي مرحلة الانتقال، وأثناء قيادته، حيث يضمن لكل طرف “سماع ما يريد سماعه”.
العقوبات: العقبة الأكثر إلحاحًا؛ تظل العقوبات القضية الأكثر إلحاحًا في المشهد السوري، حيث يُعد رفع العقوبات أمرًا أساسيًا لنجاح التحول الإيجابي في سوريا. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة وأوروبا تتباطآن في اتخاذ أي خطوات جادة، ومن المرجح أن تتجاهلا دعوات النخبة السياسية السورية المطالبة برفع كامل وغير مشروط للعقوبات. وبدون هذا الإجراء، من غير المرجح أن تتعافى سوريا من أعبائها الاقتصادية، سواء تلك العاجلة (الإنسانية) أو الهيكلية طويلة الأمد.
تحولات الجغرافيا السياسية في المنطقة؛ فأحدث سقوط الأسد تغييرات جذرية في توازنات الجغرافيا السياسية الإقليمية. ويبقى التساؤل مطروحًا: هل سيظل النظام الإيراني صامدًا بدون حليف رئيسي في دمشق؟ يعتقد البعض أن استقرار طهران يُستخف به.
أما روسيا، فلا تزال تأمل في التوصل إلى حل تفاوضي يسمح لها بالحفاظ على وجودها العسكري، بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية. وفي المقابل، تسعى دول الخليج، التي تحاول تصحيح أخطاء سياساتها بعد حرب العراق، إلى إعادة تموضعها وفق رؤية جديدة. أما تركيا، التي قد تبدو “الفائز الإقليمي” من سقوط الأسد، فإن دمشق لا تنظر إليها كالقوة التي تتحكم في مسار الأحداث، بل ترى أن المرحلة الانتقالية لا تزال مفتوحة أمام العديد من الاحتمالات والمنافسات الإقليمية.
2. القدرات، الحوكمة، والأمن
“كنت أعتقد أنني سأموت قبل أن أتمكن من العودة إلى سوريا.” هذه عبارة تتردد كثيرًا بين ملايين السوريين الذين يسعون الآن إلى زيارة وطنهم بعد أكثر من عقد—أو حتى أطول—من المنفى الذي فرضه النظام. لحظة العودة هذه تحمل مشاعر نشوة قوية للسوريين، ولأولئك الذين دعموا نضالهم طويلًا في المنطقة وخارجها. ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجه سوريا الآن خطيرة، حادة، وملحة.
التحديات الاقتصادية وإعادة الإعمار يُعد الدمار الاقتصادي والبنية التحتية من أبرز العقبات التي تواجه البلاد. فلم يقم نظام الأسد بإعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب، ما تركها مهجورة وغير مأهولة في أجزاء واسعة من سوريا. السوريون العائدون إلى مناطق مثل ريف دمشق، غرب حلب، حمص، ودرعا يواجهون دمارًا هائلًا، إن لم يكن تدميرًا كاملًا.
ورغم أن الطاقة، والغذاء، والعملات تُعد الاحتياجات العاجلة، فإن هناك أزمات طويلة الأمد مثل:
- أزمة السكن وحقوق الأراضي والممتلكات.
- إعادة الإعمار والبنية التحتية المدمرة.
- التغيرات الديموغرافية الناجمة عن النزوح الطويل.
- إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتعزيز التماسك المجتمعي.
- المساءلة والعدالة الانتقالية
على المستوى الاجتماعي، يتزايد الزخم باتجاه تحقيق العدالة والمساءلة، خصوصًا فيما يتعلق بمصير المفقودين والمعتقلين في سوريا. يطالب المواطنون إجابات واضحة من القيادة الجديدة في دمشق، لكن لا يزال هناك تباطؤ في تحقيق العدالة، إلى جانب فجوة ثقة كبيرة بين الإدارة الجديدة والمجتمع المدني.
تشمل هذه التحديات:
- إصلاح النظام القضائي وضمان استقلاليته.
- مخاوف من انعدام الشرعية، لا سيما فيما يتعلق بوزير العدل الجديد.
- انتشار خطاب الانتقام والثأر، ومحاولات إذكاء التوترات الطائفية، مما يؤدي إلى انتشار المعلومات المضللة عبر الإنترنت، وتصاعد أعمال العنف في مناطق مثل حمص واللاذقية.
العجز الأمني وضعف السيطرة الحكومية تعاني حكومة الشرع من ضعف القدرة على السيطرة على الجهاز الأمني في البلاد، وتواجه صعوبات في توحيد جميع الجماعات المسلحة تحت إدارة وزارة الدفاع المُعاد تشكيلها حديثًا.
كما أن هناك مخاوف عامة حول شخصية أحمد الشرع نفسه، حيث اندلعت احتجاجات في أوائل عام 2024 في محافظة إدلب، رفضًا للقمع وسوء الإدارة تحت حكم الشرع وجماعته، هيئة تحرير الشام (HTS)، التي كانت تدير المنطقة آنذاك.
غياب الشفافية في الإدارة السياسية لا تزال الحكومة الانتقالية تفتقر إلى الشفافية في صنع القرار، وتعاني من ضعف في الإدارة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى عملية اجتثاث البعث المستمرة، والتي أثرت على قدرة المؤسسات الحكومية على العمل بفعالية.ورغم ذلك، يرى بعض الخبراء أن نهج هيئة تحرير الشام في إدارة إدلب لا يمكن نسخه في دمشق أو باقي أنحاء البلاد. ومع ذلك، يُشار إلى أن هيئة تحرير الشام والشرع أظهروا درجة من البراغماتية في التعامل مع متطلبات الواقع الجديد.
الأيديولوجية الحاكمة: هل يتكرر النموذج؟ يحذر بعض الخبراء من أن الأيديولوجية الحاكمة في إدلب كانت مزيجًا من الاستبداد، والتكنوقراطية، والثيوقراطية، وأن هناك احتمالًا بأن يعتمد الشرع نهجًا مماثلًا. وعلى الرغم من أن الثورة السورية قد تُستخدم كأداة لصياغة أهداف وطنية جديدة، فإنها قد تختلط بعناصر من الطائفية السنية، والسلفية، وربما الجهادية، مما قد يؤدي إلى استمرار نموذج الأيديولوجيا المختلطة في إدارة الدولة.
3. القضية الكردية والتحديات أمام دمشق
على الرغم من المحاولات لدفع اتفاق حكم ذاتي على غرار نموذج أربيل بين قوات سوريا الديمقراطية (SDF) ودمشق، إلا أن تقسيمات السلطة الكردية في سوريا تختلف اختلافًا جوهريًا عن تلك الموجودة في العراق. كما أن النفوذ النشط لحزب العمال الكردستاني (PKK) داخل سوريا يُعد غير مقبول بالنسبة للجيران الإقليميين، مثل تركيا، والمجتمع الدولي، حيث يتم تصنيف حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية.
التوجهات الكردية والموقف السوري رغم هذه التعقيدات، هناك إجماع واسع على أن أياً من الطرفين، بما في ذلك القوى الكردية، لا يسعى إلى حرب أو مواجهة مباشرة. ويحرص أحمد الشرع على تقديم نفسه كرئيس “لسوريا موحدة”، في محاولة لتجاوز هذه الانقسامات. ومع ذلك، يسعى الأكراد إلى استكشاف أشكال محتملة من اللامركزية، لا سيما في مناطق شمال شرق سوريا، بما في ذلك عفرين. وبالتالي، يتعين على الشرع أن يوازن بين مصالح الفاعلين المحليين، بالإضافة إلى السعودية وتركيا، لتجنب أي تصعيد سياسي أو عسكري.
مطالب قوات سوريا الديمقراطية وشروطها للاندماج في الدولة باعتبارها “الرابح الأكبر في المسألة الكردية”، تسعى قوات سوريا الديمقراطية (SDF) إلى فرض عدة شروط قبل أن توافق على الاندماج ضمن مشروع بناء الدولة الأوسع الذي يقوده الشرع. وتؤكد قوات SDF أن هذا النموذج مستوحى من ترتيبات سابقة توصلت إليها مع هيئة تحرير الشام (HTS) خلال الحرب، رغم الاختلافات الأيديولوجية الكبيرة بين الطرفين.وبناءً على ذلك، تسعى قوات SDF إلى ضمان دورها داخل جهاز عسكري جديد كجزء من مشروع وطني، مع احتفاظها بالسيطرة الحصرية على بعض المناطق التي تحكمها حاليًا.
أحد الخبراء المشاركين في النقاش أشار إلى أن هناك توترات اجتماعية متجذرة حول هذه القضية الأمنية، خصوصًا من قبل الأغلبية العربية في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. ولهذا السبب، هناك حاجة ملحة لتعزيز جهود المصالحة الاجتماعية، بهدف تفادي أي تداعيات مستقبلية قد تؤدي إلى صراعات داخلية أو تفكك النسيج الاجتماعي.
4. التعافي الاقتصادي: التحديات والاحتياجات
سيحدد التعافي الاقتصادي لسوريا مسار انتقالها السياسي والاجتماعي، بالإضافة إلى قدرتها على تجاوز سنوات الصدمة التي خلفها نظام الأسد. أشار أحد الخبراء إلى أن سوريا تمتلك تاريخًا طويلًا من روح ريادة الأعمال، إلى جانب عقلية الإنجاز والتكيف المستمدة من تاريخها الصناعي. ورغم أن الشتات السوري الواسع يمكن أن يوفر دعمًا مرحليًا عبر التحويلات المالية وأشكال أخرى من الدعم النقدي، إلا أن هناك حاجة ماسة لتطوير رأس مال كبير من أجل إعادة الاستثمار. كما أن العمل الخيري المجتمعي لم يقتصر على الصمود خلال الحرب، بل ساهم في إبقاء أجزاء عديدة من الاقتصاد السوري عاملة رغم الدمار الذي خلفته سنوات الصراع.
العقوبات وتأثيرها على الاقتصاد السوري لا تزال العقوبات تُشكّل عاملًا كابحًا رئيسيًا أمام تعافي الاقتصاد السوري، حيث تسببت في حالة من الجمود والامتثال المفرط خلال السنوات الأخيرة، مما زاد من تأثيرها السلبي. وقد شدد جميع المشاركين في الحوار على ضرورة الرفع الكامل للعقوبات كأولوية قصوى، إلا أنهم أشاروا إلى أن ذلك غير مرجح تحت إدارة ترامب الحالية. كما أبدى العديد من المشاركين استياءهم من استمرار فرض العقوبات نفسها التي وُضعت ضد نظام الأسد بسبب جرائمه، على حكومة أحمد الشرع.
كما تناول الخبراء التأثيرات طويلة الأمد للعقوبات، مشيرين إلى أن تجربة إيران مع الاتفاق النووي (JCPOA) أظهرت أن استعادة ثقة المستثمرين تستغرق وقتًا طويلًا بعد رفع العقوبات. كما أن تعليق العقوبات لفترة محدودة لا يكفي، إذ يتطلب الأمر التزامًا طويل الأجل لاستعادة الاستثمارات في البنية التحتية والقطاع المصرفي، اللذين لا يزالان يعانيان من حالة نفور من المخاطرة.
مشاكل هيكلية أعمق من العقوبات إلى جانب العقوبات، تواجه سوريا مجموعة من التحديات الاقتصادية العميقة والمتراكمة، حيث أشار أحد الخبراء في التنمية إلى أن البلاد تعاني من “تراكم هائل من المشكلات الخطيرة”، موضحًا أن هذه التحديات تشمل:
- انعدام الأمن الغذائي، والانهيار الحاد في القطاع الزراعي، الذي تُرك للاضمحلال ويحتاج إلى إطار تنظيمي واضح لإعادة إحيائه.
- أزمات المياه المتفاقمة التي تسارعت خلال العقد الماضي، مما يهدد الأمن المائي في سوريا.
- حقوق الملكية والممتلكات، التي ازدادت تعقيدًا منذ ثورة 2011، مع ظهور أنماط جديدة من المصادرة والاستحواذ غير القانوني.
- نضوب موارد الطاقة والبنية التحتية النفطية، بما في ذلك المصفاة النفطية الرئيسية وشبكات توزيع الوقود في جميع أنحاء البلاد.
- تراجع القدرات الإدارية للدولة على كافة المستويات، حيث تفاقم الضعف المؤسسي نتيجة انخفاض الموارد المالية.
وأشار الخبير إلى أن سوريا “لم تعد تمتلك البنية التحتية اللازمة لصنع السياسات، كما أن الذاكرة المؤسسية للدولة قد تآكلت بشكل خطير خلال السنوات الأخيرة”.
تحديات إضافية أمام الاقتصاد السوري
إلى جانب هذه القضايا، تواجه سوريا مشكلات أخرى تتعلق بـ:
- التدفق النقدي وضعف توفر العملات الصعبة، ما يزيد من صعوبة استيراد المواد الأساسية.
- إعادة تفعيل النظام الضريبي، حيث طُبقت بعض النماذج الضريبية في إدلب، لكنها غير قابلة للتطبيق على مستوى البلاد في المرحلة الحالية.
- الحاجة إلى خطة إغاثة إنسانية شاملة لمعالجة الأوضاع المتدهورة.
إعادة تشغيل قطاع النفط والغاز، وهو ما يتطلب رفع العقوبات بشكل كامل، وليس فقط منح إعفاءات مؤقتة. كما سيتطلب ذلك استثمارات أجنبية لتحديث البنية التحتية النفطية، وإعادة تشغيل خطوط أنابيب النفط، وهو ما سيوفر فرص عمل ويسهم في إعادة بناء الاقتصاد. ومع ذلك، أشار المشاركون إلى أن هذا الأمر لن يتحقق دون وجود إطار قانوني وأمني جديد تحت قيادة الحكومة الانتقالية.
الدرس الليبي: تحذير من إهمال الاقتصاد وأخيرًا، طُرحت وجهة نظر تحذيرية مستوحاة من التجربة الليبية خلال السنوات الـ14 الماضية، حيث تمت الإشارة إلى مخاطر التركيز على الجوانب السياسية والأمنية دون إيلاء الاقتصاد الأهمية الكافية.
وأكّد الخبراء على أن كل مؤسسة تفهم عملية التعافي الاقتصادي من منظور مختلف، مما يستوجب إجراء تقييم شامل لاحتياجات البلاد الاقتصادية. وكمقترح عملي، أوصى المشاركون بعقد مؤتمر اقتصادي لمدة يومين في دمشق، تحت رعاية القيادة الجديدة، وذلك بهدف جذب الاستثمارات، وتحديد الأولويات الاقتصادية، وتأمين الدعم الدولي اللازم لمرحلة الانتقال الاقتصادي في سوريا.
5. سوريا والمنطقة
منذ عام 2011، أثرت الديناميات السياسية والأمنية في سوريا بشكل كبير على النهج التقليدية للسياسات الإقليمية. ومن بين هذه التأثيرات، توسع وتعزيز “محور المقاومة” بالتزامن مع سياسات الثورات المضادة التي انتهجتها بعض الدول الإقليمية، كجزء من أجندة واسعة مناهضة للإسلاميين، إلى جانب تنافس متزايد مع القوى غير العربية في المنطقة. ومع ذلك، أدى سقوط نظام الأسد إلى تغيير جذري في هذا التوازن؛ فبعد أن كانت سوريا معقلًا استراتيجيًا لإيران حتى 8 ديسمبر، تحولت إلى حليف رئيسي للدول العربية في الخليج، وشريك لتركيا.
تركيا وسوريا: محور العلاقات الإقليمية بالنسبة لأنقرة، تعتبر سوريا حجر الزاوية في علاقاتها مع الدول العربية. ومع ذلك، فإن الوجود الكردي القوي في شمال شرق سوريا شكّل مصدر توتر مستمر بين تركيا والولايات المتحدة وروسيا وإيران على مدى العقد الماضي. فبالنسبة لتركيا، لا تُعد القضية الكردية مجرد مسألة أمنية، بل هي أيضًا قضية سياسية داخلية، ما يجعلها قضية وجودية لأنقرة.
على الرغم من الاهتمام الكبير بالدور التركي، وتأثير أنقرة على الجيش الوطني السوري (SNA)، والعلاقة بين تركيا والرئيس الانتقالي أحمد الشرع، رأى المشاركون أن الدور الذي تلعبه دول الخليج، لا سيما السعودية وقطر، هو الأكثر أهمية. كما أن التغيرات في سوريا تحمل انعكاسات عميقة على الدول المجاورة، مثل العراق والأردن ولبنان، فضلًا عن تأثيرها على توازن القوى الإقليمي. وعلق أحد صناع القرار الإقليميين قائلًا: “الشكل الذي ستتخذه سوريا خلال هذا الانتقال سيؤثر على المنطقة بأكملها، بطريقة مماثلة ولكن معاكسة للطريقة التي شكّل بها الأسد المشهد الإقليمي من قبل”.
الأردن: دبلوماسية نشطة بعد سقوط الأسد تناول النقاش أيضًا الدور الأردني، حيث تم تسليط الضوء على التحرك السريع لعقد “اجتماع العقبة” بعد أيام فقط من سقوط الأسد. وجمع هذا الاجتماع أصحاب المصلحة الإقليميين الرئيسيين، بهدف تنسيق المسؤوليات، وتقييم التحديات القادمة في سوريا، والتوصل إلى توافق حول “مسارات استراتيجية مشتركة” لضمان استقرار سوريا والمنطقة ككل.
الخليج العربي: تصحيح مسار السياسة الإقليمية بالنسبة لدول الخليج، وبالأخص المملكة العربية السعودية، هناك رغبة في إعادة تصحيح المسار السياسي في المنطقة، وهو النهج الذي بدأ يتبلور بعد غزو العراق عام 2003. ومن هذا المنطلق، قررت دول الخليج احتضان القيادة الجديدة في سوريا، والسعي لإيجاد آليات فعالة للتعاون مع الشرع بطريقة واثقة ومثمرة. كما أن الدعم القادم من الأردن ولبنان، رغم التحديات التي تواجهها بيروت، سيكون عاملًا مساعدًا في دعم القيادة السورية الجديدة.
العراق: معادلة توازن حساسة أما بالنسبة للعراق، فإن التعامل مع الواقع الجديد في سوريا يتطلب نهجًا متوازنًا ودقيقًا. فبالرغم من أن العراق يشغل موقعًا مزدوجًا داخل “محور المقاومة”، إلا أن لديه تاريخه الخاص وعلاقاته مع حزب البعث، فضلًا عن ارتباطه المباشر بنظام الأسد. وبالنسبة لرئيس الوزراء العراقي الحالي، محمد شياع السوداني، فإن الأولوية تتمثل في “حماية الأجندة الوطنية للعراق، مع اعتماد نهج تعاوني في العلاقات مع سوريا، مع التأكيد على أن التهديد الأمني الرئيسي بالنسبة للعراق يظل يتمثل في عودة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية على حدوده”.
إيران: الحذر والتقييم الاستراتيجي في غضون ذلك، لا تزال إيران تراقب الوضع بحذر شديد مع تطورات المشهد السوري. وأقر الخبراء الإيرانيون الحاضرون في الحوار بأن “سقوط الأسد يعد انتكاسة استراتيجية لإيران”، على الرغم من التراجع الحاد في الدعم الشعبي الإيراني للنظام السوري خلال السنوات الأخيرة. ويبدو أن المزاج السائد في طهران يعكس شعورًا عامًا مفاده: “لقد تخلصنا من عبء ثقيل، كان منذ عام 2017 تحديدًا يشكّل تكلفة كبيرة دون عائد يذكر”.
التداعيات الإقليمية لسقوط الأسد على إيران وحزب الله لا شك أن سقوط الأسد أضعف النفوذ الإيراني في المنطقة، إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجه طهران حاليًا لا يتمثل في سوريا، بل في التراجع العسكري لحزب الله في لبنان. وتبقى أمام إيران مقابلتان استراتيجيتان متنافستان:
- إعادة بناء “محور المقاومة” وتعزيز نفوذها الإقليمي.
- التركيز على نهج أكثر دبلوماسية قائم على الردع، من خلال إقامة تحالفات جديدة مع الدول العربية.
- على الرغم من هذه التحولات، فإن غالبية الخبراء المشاركين في الحوار أجمعوا على أن التهديد الأكبر لسوريا والمنطقة لا يزال يتمثل في إسرائيل وحملتها العسكرية الحالية.
6. سوريا والجيوبوليتيك: روسيا والولايات المتحدة
تواجه القوى الكبرى ذات المصالح في سوريا، مثل الولايات المتحدة وروسيا، تحولات كبيرة، إلا أنها لا تزال غير واضحة بشأن كيفية التعامل مع القيادة السورية الجديدة. حيث أوضح أحد الخبراء في السياسة الأمريكية تجاه سوريا أن سقوط الأسد يمثل فرصة استراتيجية للولايات المتحدة، لكن من غير المرجح أن تنخرط إدارة ترامب بشكل أكبر مع القيادة السورية الحالية. لا تزال الحكومة الأمريكية تصنف هيئة تحرير الشام (HTS) كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO)، وبحسب تقييم هذا الخبير، من غير المحتمل أن يتغير هذا التصنيف تحت هذه الإدارة.
علاوة على ذلك، تم اقتراح أن الوقت قد حان لـ”تجاوز مسألة وجود القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا”، دون الخوض في نقاش حاسم حول احتمالية انسحابها في المستقبل القريب. كما تم الإشارة إلى أن التوتر المتزايد بسبب التوغلات الإسرائيلية الأخيرة في الأراضي السورية، بما يتجاوز مرتفعات الجولان المحتلة، قد يدفع بالدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة، إلى التدخل لتهدئة المخاوف الإقليمية والحد من التصعيد الإسرائيلي.
روسيا: تحديات ما بعد الأسد أما فيما يتعلق بروسيا، فقد ركز النقاش على أن سقوط الأسد يشكل انتكاسة كبيرة لموسكو. ووفقًا لأحد المشاركين، “يمكن الآن الطعن في مصداقية روسيا كمزود للأمن في المنطقة”.حيثتحاول روسيا احتواء تداعيات سقوط الأسد من خلال مد جسور التواصل مع أحمد الشرع، والسعي إلى ترتيبات تجارية وسياسية لضمان حماية بنيتها التحتية العسكرية في سوريا، بالإضافة إلى المحافظة على اتفاق التعاون الاقتصادي بين روسيا وسوريا.
تعتمد المفاوضات حول الوجود الروسي في سوريا إلى حد كبير على قدرة موسكو على مواصلة تزويد سوريا بالقمح لدعم احتياجاتها من الأمن الغذائي، مقابل الاحتفاظ بقاعدة حميميم الجوية العسكرية بدلًا من القاعدة البحرية في طرطوس، في حال اضطرت موسكو إلى تقليص وجودها العسكري.
وتكمن أهمية قاعدة حميميم الجوية لروسيا في كونها محورًا استراتيجيًا لأنشطتها العسكرية ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا في منطقة الساحل الإفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء. ووفقًا للتحليلات، تسعى موسكو إلى بناء ترتيب مشابه لما تم التوصل إليه مع حركة طالبان في أفغانستان، بحيث تحافظ على نفوذها الاستراتيجي رغم التغيرات السياسية في دمشق.
7. الخاتمة
على الرغم من أن الجهات الفاعلة القوية في المنطقة، مثل إيران وتركيا وإسرائيل، تقدم رؤى متنوعة للمنطقة، فقد أعرب بعض المشاركين عن أسفهم لغياب رؤية عربية واضحة. وكما أُشير في النقاش، فإن “سوريا تمثل فرصة للعرب لصياغة رؤية خاصة بهم”. ومع ذلك، من الصعب فصل سوريا عن تعقيدات الجغرافيا السياسية الإقليمية والمنافسة بين القوى الكبرى. فالتراجع المحتمل لنفوذ إيران الإقليمي، والدور المتنامي للمملكة العربية السعودية، والنهج التركي الأكثر جرأة، وزعزعة الاستقرار من قبل إسرائيل، جميعها عوامل ستؤثر على مسار الانتقال السياسي في سوريا.
في المقام الأول، فإن أي فرصة أمام سوريا للتقدم نحو انتقال أكثر وضوحًا نحو الديمقراطية—أو على الأقل، السلام—تتطلب مشاركة أكثر جدية وإلحاحًا من الولايات المتحدة وأوروبا. ويُعد رفع العقوبات خطوة أساسية لإنجاح هذا الانتقال، وإذا لم يتم تحقيقه، فمن المرجح أن يؤدي إلى الفشل أو ما هو أسوأ. أما على المدى الطويل، فإن غياب التفاعل السياسي الفعّال وخارطة طريق واضحة يثيران مخاوف كبيرة، في حين أن التحديات الاقتصادية المتعلقة بالتعافي والإصلاحات الهيكلية تشكل مهمة ضخمة أمام القيادة الجديدة في دمشق.
وسيتطلب تحقيق المصالحة السياسية والاجتماعية تركيزًا دقيقًا على تنفيذ آليات العدالة والمساءلة. في الوقت الراهن، هناك شعور بأن البراغماتية التي يمارسها أحمد الشرع وأقرب مساعديه ستمنح القيادة الجديدة في سوريا الوقت لمحاولة إعادة بناء البلاد. ومع ذلك، لا يزال الوضع الأمني في سوريا هشًا للغاية، حيث تعاني الحكومة من نقص الموارد البشرية، فيما تستمر التوترات مع الفصائل المسلحة، مثل الجيش الوطني السوري (SNA)، وقوات سوريا الديمقراطية (SDF)، وحركات أخرى في الجنوب. لذلك، يتطلب الوضع متابعة دقيقة، وجهود مصالحة، وتعاونًا إقليميًا لضمان دمج الجماعات المسلحة في جيش وطني شامل وممثل لمختلف المكونات.
أما بالنسبة للسوريين، فلا يزال شهر العسل مع المرحلة الجديدة مستمرًا، وقد يستمر لبعض الوقت. ومع ذلك، فقد حملت هذه البداية الجديدة عددًا هائلًا من التحديات والأسئلة الوجودية والمخاوف الحقيقية بشأن المستقبل. وستكون الأشهر الستة القادمة حاسمة في تحديد مسار المرحلة الانتقالية، حيث يجب معالجة القضايا السياسية والأمنية الأساسية. كما أن استعداد الفاعلين الإقليميين والدوليين للاستثمار في مستقبل سوريا بعد الأسد بات واضحًا، وإن لم يُعبَّر عنه بشكل كامل حتى الآن. لكن بالنسبة للسوريين، التحديات كثيرة، والأسئلة وفيرة، إلا أن الرغبة في العودة وإعادة بناء الوطن تبقى غير قابلة للإنكار.